أي: الله ﷾ ﴿كل شيء﴾ أي: من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحر وغير ذلك ﴿عدداً﴾ ولو على أقل المقادير الذرّ فيما لم يزل وفيما لا يزال فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ وقال ابن جبير ﵁: ليعلم الرسل أنّ ربهم قد أحاط بما لديهم فيبلغوا رسالاته.
تنبيه: هذه الآية تدل على أنه تعالى عالم بالجزئيات وبجميع الموجودات.
و ﴿عدداً﴾ يجوز أن يكون تمييزاً منقولاً من المفعول به، والأصل أحصى عدد كل شيء كقوله تعالى: ﴿وفجرنا الأرض عيوناً﴾ (القمر: ١٢)
أي: عيون الأرض، وأن يكون منصوباً على الحال، أي: وضبط كل شيء معدوداً محصوراً وأن يكون مصدراً في معنى الإحصاء.
وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: إنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة الجنّ كان له بعدد كل جني صدّق محمداً وكذب به عتق رقبة» حديث موضوع.
سورة المزمل
مكية
في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس ﵄: إلا آيتين منها ﴿واصبر على ما يقولون﴾ والتي تليها ذكره الماوردي، وقال الثعلبي: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم﴾ إلى آخر السورة فإنه نزل بالمدينة.
وهي تسع عشرة أو عشرون آية، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وثمانمائة وثمانية وثلاثون حرفاً.
﴿بسم الله﴾ الذي من توكل عليه كفاه في جميع الأحوال ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بنعمة الإيجاد المهتدي والضال ﴿الرحيم﴾ الذي خص حزبه بالسداد في الأفعال والأقوال. وقوله تعالى:
﴿يا أيها المزمّل﴾ أصله: المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، يقال: ازمّل يتزمّل تزمّلاً، فإذا أريد الإدغام اجتلبت همزة الوصل، وهذا الخطاب للنبيّ ﷺ وفيه ثلاثة أقوال: الأول: قال عكرمة: يا أيها المزمّل بالنبوّة والملتزم للرسالة، وعنه: يا أيها الذي ازمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر. والثاني: قال ابن عباس ﵄: يا أيها المزمّل بالقرآن. والثالث: قال قتادة ﵁: يا أيها المزمّل بثيابه. قال النخعي: كان متزملاً بقطيفة عائشة بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً قالت عائشة ﵂: «كان نصفه عليّ وأنا نائمة ونصفه على النبيّ ﷺ وهو يصلي والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزى ولا إبريسماً ولا صوفاً كان سداه شعراً ولحمته وبراً» . ذكره الثعلبي، ولحمة الثوب بفتح اللام وضمها والفتح أفصح ولحمة النسب كذلك والضم أفصح ولحمة البازي بالضم لا غير لأنها كاللقمة.
قال القرطبي: وهذا القول من عائشة ﵂ يدل على أنّ السورة مدنية، فإن النبيّ ﷺ لم يبن بها إلا بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح. وقال الضحاك: تزمل لمنامه وقيل: بلغه من المشركين قول سوء فيه فاشتدّ عليه فتزمل وتدثر، فنزلت
﴿يا أيها المزمّل﴾ و ﴿يا أيها المدثر﴾ (المدثر: ١)
وقيل: كان هذا في ابتداء ما أوحي إليه «فإنه ﷺ لما جاءه الوحي في غار حراء رجع إلى خديجة ﵂ زوجته يرجف فؤاده، فقال: زملوني زملوني لقد خشيت على نفسي» أي: أن يكون هذا مبادئ شعر أو كهانة، وكل ذلك من الشيطان أو أن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس الملك، وكان ﷺ يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة، فقالت له، وكانت وزيرة صدق