أن كذب موسى ﵇ ﴿وعصى﴾ الله تعالى بعد ظهور الآية وتحقيق الأمر، وقيل: كذب بالقول وعصى بالتمرّد والتجبر.
﴿ثم أدبر﴾ أي: تولى وأعرض عن الإيمان بعد المهل والأناة إعراضاً عظيماً بالتمادي على أعظم ما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة، حال كونه ﴿يسعى﴾ أي: يعمل بالفساد في الأرض، أو أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً يسعى أي: يسرع في مشيته. قال الحسن ﵁: كان رجلاً طياشاً خفيفاً، وتولى عن موسى ﵇ يسعى ويجتهد في مكايدته، أو أريد: ثم أقبل يسعى كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى أنشأ يفعل، فوضع أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال.
﴿فحشر﴾ أي: فتسبب عن إدباره أنه جمع السحرة للمعارضة وجنوده للقتال ﴿فنادى﴾ حينئذ بأعلى صوته. قال حمزة الكرماني: قال له موسى ﵇: إنّ ربي أرسلني إليك لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في النعيم والسرور، ثم تموت فتدخل الجنة فقال: حتى أستشير هامان فاستشاره، فقال: أتصير عبداً بعدما كنت رباً، فعند ذلك جمع بعث الشرط وجمع السحرة والجنود.
فلما اجتمعوا قام عدوّ الله على سريره ﴿فقال أنا ربكم الأعلى﴾ أي: لا رب فوقي، وقيل: أراد أنّ الأصنام أرباب وأنا ربها وربكم، وقيل: أمر منادياً فنادى في الناس بذلك، وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ذلك.
﴿فأخذه الله﴾ أي: أهلكه بالغرق الملك الأعظم الذي لا كفء له ﴿نكال﴾ أي: عقوبة ﴿الآخرة﴾ أي: هذه الكلمة وهي قوله ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ . ﴿والأولى﴾ وهي قوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ (القصص: ٣٨)
. قال ابن عباس ﵄: وكان بين الكلمتين أربعون سنة، والمعنى: أمهله في الأولى ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه. وقال الحسن ﵁: ﴿نكال الآخرة والأولى﴾ هو أن أغرقه في الدنيا وعذبه في الآخرة. وعن قتادة ﵁: الآخرة هي قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ والأولى تكذيبه لموسى ﵇.
ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى: ﴿إنّ في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي فعله فرعون والذي فعل به حين كذب وعصى ﴿لعبرة﴾ أي: لعظة ﴿لمن يخشى﴾ أي: لمن يخاف الله تعالى لأنّ الخشية أساس الخير كما مرّت الإشارة إليه.
ثم خاطب تعالى منكري البعث بقوله تعالى:
﴿أأنتم﴾ أي: أيها الأحياء مع كونكم خلقاً ضعيفاً ﴿أشدّ خلقاً﴾ أي: أخلقكم بعد الموت أشدّ في تقديركم ﴿أم السماء﴾ أي: فمن قدر على خلق السماء على عظمها من السعة والكبر والعلوّ والمنافع قدر على الإعادة، وهذا كقوله تعالى: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ (غافر: ٥٧) ، والمقصود من الآية الاستدلال على منكري البعث، ونظيره قوله تعالى: ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ (يس: ٨١)
ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، والباقون بتحقيقهما، وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بغير إدخال. ﴿ ﴿
وقوله تعالى: ﴿بناها﴾ بيان لكيفية خلقه إياها فالوقف على السماء والابتداء بما بعدها وقوله تعالى: ﴿رفع سمكها﴾ جملة مفسرة لكيفية البناء، والسمك الارتفاع أي: جعل مقدارها في سمت العلوّ مديداً رفيعاً مسيرة خمسمائة عام ﴿فسوّاها﴾ أي: فعدلها مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور، أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها من قولك: سوّى فلان أمر فلان.
﴿وأغطش﴾ أي: أظلم ﴿ليلها﴾ أي: