الدليل الثاني: عموم قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وَجْه الدلالة: أن المراد بالمسجد الحرام هنا عموم الحرم؛ لأن هؤلاء إنما أُخْرِجُوا من بيوتهم لا من المسجد نفسه (¬٢).
واعتُرض عليه بأن المراد بقوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] أي: أَهْله الذين يَعمرونه بطاعة الله، وهم المؤمنون لأنهم أولياؤه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] المؤمنون إنما يَعمرون مسجد الكعبة بطاعة الله الذي هو محل الصلاة والطواف.
الدليل الثالث: عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].
وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ وأصحابه صُدوا عن عموم الحرم.
ونوقش بأن نص الآية صريح في الصد عن المسجد الحرام، وهو مسجد الكعبة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [الحج: ٢٥]، المراد بالعاكف في الآية المقام فيه والملازمة له بالصلاة والطواف، وهذا يكون في مسجد الكعبة لأنه محل ذلك.
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد بالمسجد الحرام هنا: الحرم كله بالاتفاق، وإذا كان المشرك ممنوعًا من دخول الحرم، دل ذلك على أن المراد بالمسجد الحرام عموم الحرم (¬٣).
ونوقش هذا الاستدلال بعدم التسليم بأن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم ليس محل اتفاق، وإنما محل خلاف؛ فقيل: إن المراد هو المسجد الحرام لا عموم الحرم؛