النصارى تعبد عيسى بن مريم، وما تقول في محمد (١). فقالوا: يا محمد، ألست تزعُمُ أن عيسى كان نبيًا وعبدًا من عباد اللَّه صالحًا، فلئن كنت صادقًا فإنَّ آلهتهم كما تقول، قال: فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال: قلت: ما يصِدُّون؟ قال: يضجّون، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال: هو خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة] (٢).
وفي لفظ الطبراني: (فإن كنت صادقًا فإنها لكآلهتهم).
وقوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾ أي يضجّون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال. ومعناه يعرضون، وقال ابن عباس: (يضحكون).
وقد ردّ اللَّه عليهم هذا القياس الفاسد من تشبيه الأنبياء والملائكة بالأصنام غير العاقلة، فقال في الآية بعدها: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وأكّد سبحانه حماية لمكانة وكرامة نبيّه عيسى ﵊ أن عيسى ما دعا إلى عبادة نفسه بل دعا إلى عبادة اللَّه جل ثناؤه، فقال سبحانه يحكي قوله في سورة مريم: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. كما أكده في سورة الزخرف: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، بعد أن عاب على قريش الجدل والثرثرة فقال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، إذ كانوا عربًا فصحاء، يدركون أن الآية السابقة: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ موجهة إليهم وإلى ما يعبدون مما لا يعقل، والحديث لم يكن عن عيسى أصلًا ولا عن الملائكة.
وقوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾. أي: آلهتنا خير أم عيسى؟ . قال السدي: (خاصموه وقالوا إن كل مَن عُبد من دون اللَّه في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى والملائكة وعزير، فأنزل اللَّه تعالى (٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]).