انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (¬١)، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن مسعود ﵁ (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ (¬٢) رَسُولَ اللهِ ﷺ) وفي نسخة: "لأُخبرنّ بها رسول الله ﷺ" (قَالَ: فَأَتَيْتُهُ) ﷺ (فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ) ذلك الرجل (قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) ﷺ (حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ) -بكسر الصاد المهملة-: هو صبغ أحمر تُصْبَغ به الجلود، قال ابن دُريد: وقد يُسَمَّى الدم أيضًا صِرْفًا (¬٣)، وفي الرواية التالية: "فغضِبَ من ذلك غضبًا شديدًا، واحمرّ وجهه، حتى تمنّيتُ أني لم أذكره له".
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("فَمَنْ يَعْدِلُ) "من" استفهاميّة (إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ) ﷾ (وَرَسُولُهُ؟) ﷺ، وجواب "إن" محذوف دلّ عليه ما قبله؛ أي فمن يعدل؟. ذكر الله ﷿ إشارة إلى أنه ﷺ مبلّغ عن الله تعالى، فإذا لم يعدل هو لم يعدل الله ﷾، فالاعتراض عليه ﷺ اعتراض على حكم الله ﷾.
والاستفهام هنا إنكاريّ بمعنى النفي، والمعنى أنه لا أحد يعدل إذا لم يَعدل رسول الله ﷺ.
قال القاضي عياض ﵀: حُكْمُ الشرع أن من سبّ النبيّ ﷺ كَفَرَ، وقُتِل، ولم يذكر في هذا الحديث أن هذا الرجل قُتِل.
وقال المازريّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون لم يَفْهَم منه الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، والمعاصي ضربان: كبائر، وصغائر، فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع، واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر، ومن جَوَّزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص، وحينئذ فلعله ﷺ لم يعاقب هذا القائل؛ لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم.
قال القاضي: هذا التأويل باطلٌ يدفعه قوله: "اعْدِلْ يا محمد"، و"اتق الله يا محمد"، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ، حتى استأذن عمر وخالد النبيّ ﷺ في قتله، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل