فقال: تائبين عابدين إلى آخره، وهو غير مناسب أيضًا لما فيه من تزكية النفس، وإظهار الأعمال. انتهى (¬١).
وقوله: (عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ) جمع ساجد، وأصله الخضوع والتذلّل، ومنه قول الشاعر:
تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ
أي: متذلِّلةً خاضعةً، قاله القرطبيّ ﵀ (¬٢).
(لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلُّها رَفْعٌ بتقدير "نحن"، والجارّ والمجرور متعلق بـ "حامدون"، أو بـ "ساجدون"، أو بهما، أو بالصفات الخمسة على طريق التنازع.
وقال وليّ الدين ﵀: قوله: "ساجدون" بعد قوله: "عابدون" مِن ذكْر الخاصّ بعد العامّ، وقوله: "لربنا" يَحْتَمِل تعلقه بقوله: "ساجدون" أي: نسجد له، لا لغيره من الأصنام وغيرها، ويَحْتَمِل أن يكون معمولًا مقدمًا لقوله: "حامدون" أي: نحمده دون غيره؛ لرؤيتنا النعمة منه؛ إذ هو المنعم بها، لا رب سواه. انتهى.
(صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) أي: فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ الآية [الفتح: ٢٠]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحجّ: ٤٠]، وهذا في سفر الغزو، والمناسب لسفر الحجّ والعمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) يريد ﷺ نفسه الكريمة (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ") أي: من غير فعل أحد من الآدميين، واختُلِف في المراد بالأحزاب هنا، فقيل: هم كفار قريش، ومن وافقهم من العرب، واليهود الذين تحزّبوا؛ أي: تجمعوا في غزوة الخندق، ونزلت في شأنهم "سورة الأحزاب"، وقيل: المراد أعمّ من ذلك؛ أي: أحزاب الكفار في جميع الأيام والمواطن، قال النوويّ: والمشهور الأول.
وقيل: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شُرع من بعد الخندق.