ولا يَظُنّ أحدٌ أن أبا بكر ﵁ كان في تلك الحالة أقوى من النبيِّ ﷺ، وأوثق بما وعده الله به من النصر، فإن ذلك ظنُّ مَن لَمْ يَعْرِف محمدًا ﷺ حقّ معرفته، ولا قَدَره حقّ قدره. وكيف يصير إلى غير هذا المعنى مَن سمع قوله له في الغار، ويوم سراقة: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وكيف يَظُنُّ ذلك مَن يعلم أن رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، وأكملهم، وأقواهم، ولو وُزِن بجميع أمته لرجحهم، وبلا شك أن الأنبياء أفضل الناس، وأعلمهم بالله، وبحدوده، ولا شكّ في أنه ﷺ أفضل الأنبياء، وأجلّهم، وإذا كانت هذه حاله ﷺ مع الأنبياء، فحاله مع من ليس بنبيٍّ أعلى، وأكمل، وهو فيها أقوى.
وكيف لا يكون ﷺ في هذه القصة حاله أتمّ، وأقوى من حال أبي بكر ﵁؟ وقبل ذلك الوقت بيسير كان قد أخبر أصحابه بأن الله ينصره على عدوه ذلك، ذلك حتى أراهم مصارعَهُم واحدًا واحدًا باسمه وعينه، فكان الأمر كما ذُكِرَ، فثبت ما قلناه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (¬١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْه، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِه، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع لجماهير رُواة مسلم: "كذاك" بالذال، ولبعضهم: "كفاك" بالفاء، وفي رواية البخاريّ: "حَسْبُك مناشدتك ربك"، وكلٌّ بمعنًى.
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "كفاك مناشدتك ربك"، هكذا رواية العذريّ: "كفاك" بالفاء، ورواية الكافّة: "كذاك مناشدتك ربك"، ورواه البخاريّ: "حَسْبُك"، وكلها متقاربة، إلَّا أن "كذاك" بابُها باب الإغراء، كـ"إليك"، كما أنشدوا [من الوافر]:
يَقُلْنَ وَقَدْ تَلَاحَقَتِ الْمَطَايَا … كَذَاكَ الْقَوْلَ إِنَّ عَلَيْكَ عَيْنَا
قال: والرواية: "مناشدَتُك" بالرفع، على أنَّه فاعلٌ بما في "كفاك"، و"كذاك" من معنى الفعل، وقد ضُبِط عن أبي بحر بالنصب على المفعول، ويكون الفاعل مضمرًا في الأمر المقدَّر الذي ناب "كذاك" عنه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (¬٢).