فإنه ظاهر في كونه لا يُحبّ الخلّ قبل ذلك؛ لكونه مرغوبًا عنه عندهم، فلما سمع مقالة النبيّ ﷺ أعجبه، وأحبّه لقول النبيّ ﷺ، والله تعالى أعلم.
قال النوويّ: وأما قول جابر ﵁: "فما زلت أحبّ الخلّ منذ سمعتها من نبيّ الله ﷺ"، فهو كقول أنس ﵁: "ما زلت أحبّ الدباء"، وقد سبق بيانه، وهذا مما يؤيّد ما قلناه: إنه مدح للخلّ نفسه، وقد ذكرنا مرّات أن تأويل الراوي إذا لم يخالف الظاهر يتعيَّن المصير إليه، والعمل به عند جماهير العلماء، من الفقهاء، والأصوليين، وهذا كذلك، بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ، فيتعيّن اعتماده، والله أعلم. انتهى (¬١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن الظاهر أن الحديث ليس مدحًا للخلّ لذاته، وإنما هو مدحٌ له بحسب الوقت.
والحاصل أن ما تقدّم عن الخطّابيّ، وغيره من أن مَدْحه ﷺ ليس للخلّ
نفسه، هو الأظهر، وليس في قول جابر ما يؤيّد ما قاله النوويّ، بل هو بالعكس؛ إذ مفهومه أن جابرًا كان لا يحبّ الخلّ قبل ذلك، وإنما أحبّه بعد مقالة النبيّ ﷺ هذه، مع أن الخلّ موجود بكثرة عندهم قبل ذلك، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ إِلَى قَوْلِهِ: "فَنِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ بن صُهبان الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.