والدليل على أن المراد بالأوتار جمع الوَتَر بالتحريك، لا الوتر بالإسكان، ما رواه أبو داود أيضًا، من حديث رُويفع بن ثابت ﵁ رفعه: "مَن عَقَد لحيته، أو تقلَّد وَتَرًا، فإن محمدًا ﷺ بريء منه"، فإنه عند الرواة أجمع بفتح المثناة. انتهى (¬١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٢٨) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِه، وَوَسْمِهِ فِيهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٣٨] (٢١١٦) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ في الْوَجْه، وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا قريبًا.
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁، وفي الرواية التالية تصريح أبي الزبير عن جابر ﵁، فزالت عنه تهمة التدليس، فتنبّه. (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ)؛ أي: عن ضرب الإنسان، وغيره في وجهه، قال القرطبي ﵀: نهيه ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم فيه يدلّ على احترام هذا العضو، وتشريفه على سائر الأعضاء الظاهرة، وذلك لأنه الأصل في خلقة الإنسان، وغيره من الأعضاء خادم له؛ لأنَّه الجامع للحواس التي يحصل بها الإدراكات المشتركة بين الأنواع المختلفة، ولأنَّه أول الأعضاء في الشخوص، والمقابلة، والتحدُّث، والقصد، ولأنَّه مدخل الروح ومخرجه، ولأنه مقرّ الجمال والحسن، ولأن به قوام الحيوان كله: ناطقه، وغير ناطقه، ولمّا كان بهذه المثابة احترمه الشرع، ونهى عن أن يُتعرَّض له بإهانة، ولا تقبيح، ولا تشويه، وقد مرَّ النبيّ ﷺ برجل يضرب عبده، فقال: "اتَّقِ الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق