﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]، والله تعالى أعلم.
(الثالثة): قال أبو عبد الملك البُونيّ وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهود البتة، وليس بمستقيم كما قررناه، وقال الداوديّ، ومن تبعه: إنه يحتمل أن يَتناول جميعَ الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما أسلفت من خير".
قال الحافظ: وهو مُتَعَقَّبٌ؛ لأن الحديث مُقَيَّد بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله: "آمن بنبيه" الإشعار بعلّية الأجر؛ أي: أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، أن أهل الكتاب يَعرفون محمدًا ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فمن آمن به، واتبعه منهم، كان له فضلٌ على غيره، وكذا من كَذَبه منهم، كان وِزْره أشدّ من وزر غيره، وقد وَرَد مثلُ ذلك في حقّ نساء النبيّ ﷺ؛ لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يُذكرن في هذا الحديث، فيكون العدد أربعة؟.
[أجيب]: بأن قضيتهن خاصّةٌ بهنّ، مقصورة عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، هكذا قال البلقينّي ﵀، قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرّ، وقد ادَّعَى الكرماني اختصاصَ ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعَلَّل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة، إنما هو محمدٌ ﷺ باعتبار عموم بعثته. انتهى.
وقضيته أن ذلك أيضًا لا يتمّ من كان في عهد النبيّ ﷺ، فإن خصَّه بمن لم تبلغه الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده ﷺ وبعده، فما قاله البلقينيّ أظهر، والمراد بنسبتهم إلى غير نبيّنا ﷺ إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك.
وأما ما قَوَّى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفًا، حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب: "رجل" بالتنكير، وفي العبد بالتعريف، وحيث زيدت فيه