(فِي هِرَّةٍ)؛ أي: بسبب هرّة، فـ "في" للسببيّة، قال ابن مالك ﵀ في "شواهد التوضيح": تضمّن هذا الحديث استعمال "في" دالّةً على التعليل، وهو ما خفي على أكثر النحويين، مع وروده في القرآن العزيز، والحديث، والشعر القديم. فمن الوارد في القرآن العظيم: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ [النور: ١٤].
ومن الوارد في الحديث: "عُذّبت امرأة في هرّة" متّفقٌ عليه، و"يُعذّبان، وما يُعذّبان في كبير"، متّفقٌ عليه.
ومن الوارد في الشعر القديم: قول جميل [من الطويل]:
فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي … وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقُونِي
ومنه قول أبي خِراش [من الطويل]:
لَوَى رَأْسَهُ عَنِّي وَمَالَ بِوُدِّهِ … أَغَانِيجُ خُودٍ كَانَ فِينَا يَزُورُهَا
ومنه قول الآخر [الطويل]:
أَفِي قَمَلِيٍّ مِنْ كُلَيْبٍ هَجَوْتُهُ … أَبُو جَهْضَمٍ تَغْلِي عَلَيَّ مَرَاجِلُهْ (¬١)
ووقع في رواية همّام عن أبي هريرة الآتية لمسلم (¬٢): "دخلت امرأة النار مِن جَرّاء هرّةٍ لها، ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تُرَمْرِمُ (¬٣) من خشاش الأرض، حتى ماتت هَزْلًا"، و"جَرّا" بفتح الجيم، وتشديد الراء مقصورًا، وبجوز فيه المدّ؛ أي: من أجل هرّة، والهرة: أنثى السِّنَّوْر، والهرّ الذَّكر، ويُجمع الهرّ على هِرَرَةٍ، كقِرَد وقِرَدة، وتُجمع الهرة على هِرَرٍ، كقِرْبة وقِرَب، ووقع في حديث جابر ﵁ الماضي في "الكسوف": "وعُرِضت عليّ النارُ، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تُعَذَّب في هرة لها. . ." الحديث (¬٤).
(سَجَنَتْهَا)؛ أي: حبستها عن الأكل والشرب، يقال: سجنته سَجْنًا، من