ضاق ذرعه، واشتَدّ حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: لو
أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تَمْنع لَمَنعتكم، وقَصْد
لوط ﷺ إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما
لفعله، وأنه بذل وُسعه في إكرامهم، والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا
منه ﷺ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لِما ذكرناه من تطيب قلوب
الأضياف، وقد تقدّم البحث باتمّ مما هنا في الباب المذكور، فراجعه تستفد
علماَ، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ … إلخ) هذا من النبيّ ﷺ
ثناء على يوسف ﵇، وبيان لصبره، وتأنيه، والمراد بالداعي رسول الملِك
الذي أخبر الله ﷾ أنه قال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ [يوسف: ٥٠]، فلم يخرج يوسف ﵇ مبادرًا إلى الراحة، ومفارقة السجن الطويل، بل
تثبّت، وتوقّر، وراسل الملك في كشف أمره الذي سُجن بسببه، ولتظهر براءته
عند الملِك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نُسب إليه، ولا خَجَل من
يوسف، ولا غيره، فبيّن نبينا ﷺ فضيلة يوسف ﵇ في هذا، وقوّة نفسه في
الخير، وكمال صبره، وحُسن نَظَره، وقال النبيّ ﷺ عن نفسه ما قاله تواضعًا،
وإيثارًا للإبلاع في بيان كمال فضيلة يوسف ﷺ، والله أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ -إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ،
حَدَّثنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيّب، وَأَبا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الحديث أيضًا في "كتاب الإيمان"
برقم [٧٣/ ٣٩٠] (١٥١)، وقد استوفيت البحث فيه هناك، فلتراجعه، تستفد
علمًا، وبالله تعالى التوفيق.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بن عبيد الضُّبَعيّ -بضم المعجمة،