وروى البيهقيّ من طريق الحجاج بن فرافصة: أن رجلين كانا يتبايعان عند ابن عمر، فقام عليهم رجل، فنهاهما عن الحلف بالله، ووعظهم بموعظة، فقال ابن عمر لأحدهما: اكتبها منه، فاستعاده حتى حفظها، ثم تطلّبه، فلم يره، قال: وكانوا يَرَوْن أنه الخضر، ذكر هذا في "الفتح" (¬١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أن الخضر ﵇ نبيّ، ومن أقوى الأدلّة وأظهرها في ذلك قوله ﷿ حكايةً عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ الآية [الكهف: ٨٢]، وقوله في الحديث الصحيح: "يا موسى إني على عِلم من عِلم الله علَّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على عِلم من عِلمه علّمكه لا أعلمه".
قال الشيخ الشنقيطيّ ﵀ في "تفسيره": ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدنيّ اللذين امتنّ الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]؛ أي: وإنما فعلته عن أمْر الله جل وعلا، وأمْر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي؛ إذ لا طريق تُعرف بها أوامر الله، ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولا سيما قَتْل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس، وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى، وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، و"إنما" صيغة حصر (¬٢). انتهى كلامه، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
فخلاصة القول أن الخضر ﵇ نبيّ بلا شكّ، والله تعالى أعلم.
وأما ما ورد في حياة الخضر ﵇ إلى اليوم، فإنه لا يثبت منه شيء عن النبيّ ﷺ، والحكايات عن الصالحين أكثرها واهية، وما صحّ منها لا يُلتفت إليه؛ لأنه مظنون، عن غير معصوم.
قال الشيخ الشنقيطيّ أيضًا -بعدما أورد كثيرًا مما قيل في ذلك- ما نصّه: فتحصّل أن الأحاديث المرفوعة التي تدلّ على وجود الخضر حيًّا باقيًا لم