فقد تواردت الروايات به، وثَبَتَ شقّ الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في "الدلائل"، ولكل منها حِكْمة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس ﵁: "فأَخرج عَلَقةً، فقال: هذا حَظّ الشيطان منك"، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ ﷺ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وَقَع شقّ الصدر عند البعثة زيادةً في إكرامه لِيَتَلقَّى ما يُوحَى إليه بقلب قويّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وَقَع شقّ الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة.
ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسلِ؛ لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرَّر في شرعه ﷺ.
ويحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شقّ صدره، وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرر بها.
وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته؛ لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك.
قال القرطبيّ ﵀ في "المفهم": لا يُلتَفَتُ لإنكار الشقّ ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير، ثم ذكر نحو ما تقدم. انتهى (¬١).
("فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي) ببناء الفعل للمفعول، وكذا الأفعال بعده (فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ) أي: الذي كان في الطست (ثُمَّ أُعِيدَ) أي: القلب (مَكَانَهُ) أي: في محلّه الأول (ثُمَّ حُشِيَ) أي: مُلئ (إِيمَانًا وَحِكْمَةً) قد تقدّم تفسير الحكمة بما فيه الكفاية، وتقدّم أيضًا أن الصواب في هذا حمله على حقيقته، فيكون المعنى أن الإيمان والحكمة حُشي بهما قلبه ﷺ على ظاهره، وتجسيدُ المعاني جائزٌ وواقع، فقد أخرج المصنّف ﵀ عن أبي أمامة الباهليّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقَان من طير صوافّ، تُحاجّان عن أصحابهما … " الحديث.