جَعَل في قلوب غيرهم؛ لذلك بَكَى رحمةً لأمته، وأما قوله: "هذا الغلام"، فأشار إلى صِغَر سنه بالنسبة إليه.
وقال الخطابي ﵀: العرب تسمي الرجل المستجمع السنّ غلامًا ما دامت فيه بقية من القوة. انتهى.
قال الحافظ ﵀: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبيّنا عليهما الصلاة والسلام، من استمرار القوّة في الكهولية، وإلى أن دخل في سنّ الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هَرَمٌ، ولا اعترى قوّته نقصٌ، حتى إن الناس في قدومه المدينة كما ثبت من حديث أنس ﵁ لَمّا رأوه مُردفًا أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشابّ، وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه في العمر أسنّ من أبي بكر ﵁، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: "فإذا أنا بإبراهيم، خليل الرحمن، مُسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال"، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبريّ: "فإذا هو برجل أشمط، جالس عند باب الجنة على كرسيّ".
[تنبيه]: اختُلِف في حال الأنبياء عند لُقِيّ النبيّ ﷺ إياهم ليلة الإسراء، هل أُسري بأجسادهم لملاقاة النبيّ ﷺ تلك الليلة، أو أن أرواحهم مُستقرَّةٌ في الأماكن التي لقيهم النبيّ ﷺ وأرواحهم مشكّلةٌ بشكل أجسادهم، كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل؟ قال الحافظ: واختار الأول بعض شيوخنا، واحتج بما ثبت في مسلم، عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "رأيت موسى ليلة أُسري بي قائمًا يصلي في قبره"، فدَلّ على أنه أُسري به لَمّا مر به.
قال الحافظ: قلت: وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض، فلذلك يتمكن من الصلاة وروحه مستقرّة في السماء. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاختلاف يعدّ من فضول الكلام، فكان الأولى للعلماء أن لا يشتغلوا به، بل يمسكوا عنه؛ لعدم فائدة تنبني عليه، ومع ذلك فالأخذ بما دلّت عليه ظواهر النصوص، من أنه ﷺ رأى موسى في قبره يصليّ، ووجده أيضًا مع سائر الأنبياء في بيت المقدس، وفي الملإ الأعلى كلّ ذلك بأجسادهم وأرواحهم هو الحقّ الذي لا ينبغي العدول