ويستقبحه إلى أن عقدوا الحلف، وظهر الإسلام، وهم على ذلك. انتهى (¬١).
(فَقَالَ أنسٌ) ﵁: (قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِهِ) لفظ البخاريّ: "في داري"، ولا يخفى ما في الأول من الالتفات، قال ابن عيينة: معنى حالف بينهم: أي: آخَى بينهم، يريد أن معنى الحلف في الجاهلية معنى الأُخُوّة في الإسلام، لكنه في الإسلام جارٍ على أحكام الدِّين، وحدوده، وحلِف الجاهلية جرى على ما كانوا يتواضعونه بينهم بآرائهم، فبطل منه ما خالف حكم الإسلام، وبقي ما عدا ذلك على حاله (¬٢).
وقال الطبريّ: ما استَدَلّ به أنس ﵁ على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه، فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة، وكانوا يتوارثون به، ثم نُسِخَ من ذلك الميراثُ، وبقي ما لم يبطله القرآن، وهو التعاون على الحقّ، والنصر، والأخذ على يد الظالم، كما قال ابن عباس ﵄: "إلا النصر، والنصيحة، والرِّفادة، ويوصى له، وقد ذهب الميراث".
واختلف الصحابة ﵃ في الحدّ الفاصل بين الحلف الواقع في الجاهلية والإسلام، فقال ابن عباس ﵄: ما كان قبل نزول الآية المذكورة (¬٣) جاهليّ، وما بعدها إسلاميّ.
وعن عليّ ﵁: ما كان قبل نزول ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ جاهليّ.
وعن عثمان ﵁: كل حلف كان قبل الهجرة جاهليّ، وما بعدها إسلاميّ.
وعن عمر ﵁: كل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود، وكل حلف بعدها منقوض، أخرج كل ذلك عمر بن شَبّة عن أبي غسان محمد بن يحيىى، بأسانيده إليهم، قال الحافظ: وأظن قول عمر أقواها، ويمكن الجمع بأن المذكورات في رواية غيره مما يدلّ على تأكد حلف الجاهلية، والذي في