عنهما، وتعظيمهما مستلزم لتعظيم الله تعالى، ولذلك قَرَن تعالى الإحسان إليهما، وبرّهما بتوحيده، وعبادته، فمن لَمْ يغتنم الإحسان إليهما، سيما حال كبرهما، فجدير بأن يهان، ويحقّر شأنه (¬١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ثم لَمْ يدخل الجَنَّة" معناه: دخل النار؛ لانحصار منزلَتَي الناس في الآخرة بين جنة ونار، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، فمن قيل فيه: لَمْ يدخل النار منهم: إنه في الجَنَّة، وبالعكس، و"أو" المذكورة هنا للتقسيم، ومعناه: أن المبالغة في برّ أحد الأبوين عند عدم الآخر يُدخل الولد الجَنَّة، كالمبالغة في برّهما معًا؛ ويعني بهذه المبالغة: المبرّة التي تتعيّن لهما في حياتهما، وقد يتعيّن لهما أنواعٌ من البرّ بعد موتهما، كما قد فَعَل عبد الله بن عمر ﵄ مع الأعرابيّ الذي وَصَله بالعمامة والحمار، ثم ذكر ما سمعه من النبيّ ﷺ في ذلك، وكما رَوَى أبو داود عن أبي أُسَيد، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله هل بقي من بِرّ أبويّ شيء أبرّهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وَصِلة الرّحم التي لا توصَل إلَّا بهما، وإكرام صديقهما" (¬٢).
ولا خلاف في أن عقوق الوالدين محرّم، وكبيرة من الكبائر، وقد دلّ على هذا الكتابُ في غير موضع، وصحيح السُّنَّة، كما روى النسائيّ، والبزار، من حديث ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والديّوثُ، والمرأة المتَرَجِّلة، تشبّه بالرجال، وثلاثة لا يدخلون الجنّة: العاقّ لوالديه، والمنّان عطاءه، ومدمن الخمر" (¬٣).