وفي حديث النعمان بن بشير: "فبذرته على حِدَة، فأضعفَ، ثم بذرته فأضعف، حتى كثر الطعام -وفيه- فقال: أتظلمني، وتسخر بي"، وفي رواية له: "ثم مرَّت بي بقر، فاشتريت منها فصيلة، فبلغت ما شاء اللَّه"، والجمع بينهما ممكن بأن يكون زرع أَوّلًا، ثم اشترى من بعضه بقرة، ثم نُتِجَت. انتهى من الفتح باختصار (¬١).
والحديث يدلّ على جواز تصرف الفضولي في مال الغير على وجه النصيحة، وطريق الأمانة، وإرادة الشفقة، حيث استحسن ﷺ ذلك منه، فهو في حكم التقرير، لا يقال: لعلَّ هذا شَرْع من قبلنا، فإنه قد ورد نظيره في زمانه ﷺ حيث دفع قيمة كبش لبعض أصحابه، فاشتراه بها، فباعه بضعف ثمنه، واشترى كبشًا آخر، وأتى به مع قيمته، فدعا له بالبركة، قاله القاري ﵀ (¬٢).
(فَجَاءَنِي، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي) ظاهر كلامه عنف، لكن باطنه حقّ ولطف. (قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا) وفي رواية البخاريّ: "فقلت: اذهب إلى ذلك البقر، وراعيها"، قال الطيبيّ: "ذلك" إشارة إلى البقر باعتبار السواد المرئيّ، كما يقال: عند ذلك الإنسان، أو الشخص فعل كذا، قال الذبيانيّ [من البسيط]:
نُبِّئْتُ نُعْمًا عَلَى الْهِجْرَانِ عَاتِبَةً … سَقْيًا وَرَعْيَا لِذَاكَ الْعَاتِبِ الرَّازِي
وأنَّث الضمير الراجع إلى البقر باعتبار جمعيّة الجنس. انتهى (¬٣).
(فَخُذْهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي) من استهزأ بفلان: إذا سخر منه، ولعله توهم أنه حصل له من كلامه "لا تظلمني" جَزَع مع إيهام قوله: "اذهب إلى ذلك"، (فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ)؛ أي: مجموع ما ذكر، وفي رواية: "فأخذها"؛ أي: كلها، (فَذَهَبَ بِهِ) قال ميرك عند قوله: "حتى جمعت بقرًا وراعيها": وقع في رواية "الصحيح":