(قَدْ مَاتَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ) ظاهر هذه الرواية أنه ﷺ قاله بعد موت كسرى، بخلاف قوله في قيصر، فإنه قاله في حياته، وفي حديث جابر بن سمرة ﵁ الآتي: "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى، فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ"، وهو ظاهر في كونه قاله في حياته، ويوافق الرواية الأولى ما وقع عند البخاريّ عن أبي بكرة ﵁ قال: "لمّا بلغ رسول اللَّه ﷺ أن أهل فارس قد مَلّكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يفلح قوم وَلَّوا أمرهم امرأة".
فظاهر الروايتين التنافي، وجَمَع بينهما أبو العباس القرطبيّ بأن أبا هريرة سمع ذلك من النبيّ ﷺ مرتين: إحداهما قبل موت كسرى، بلفظ: "إذا هلك كسرى"، والأخرى بعد موته، بلفظ: "قد مات كسرى"، وقال القرطبي إنه بعيد، ثم قال: ويَحْتَمِل أن يفرق بين الموت والهلاك، فيقال: إن موت كسرى قد وقع في حياة النبيّ ﷺ، فأخبر عنه بذلك، وأما إهلاك مُلكه فلم يقع إلا بعد موت النبيّ ﷺ، وموت أبي بكر ﵁، وذلك في خلافة عمر ﵁.
وقال وليّ الدين ﵀: الظاهر أن قوله في تلك الرواية: "قد مات كسرى" من الإخبار عن الشيء قبل وقوعه؛ لتحقق وقوعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] فعبَّر عن المستقبل بالماضي؛ لتحقق وقوعه، وتتفق الروايتان، واللَّه أعلم. انتهى (¬١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله وليّ الدين في وجه الجمع هو الأرجح.
قال الحافظ ﵀: وهذا الجمع أَولى؛ لأن مخرج الروايتين متّحدٌ، فحَمْله على التعدد على خلاف الأصل، فلا يصار إليه، مع إمكان هذا الجمع، واللَّه أعلم. انتهى (¬٢).
وحاصله: أن قوله ﷺ: "مات كسرى" لا يعارض قوله: "إذا هلك كسرى"؛ لأن إلّا أول إخبار بما سيقع، عبّر عنه بالماضي عن المستقبل؛ لتحقّق وقوعه، وللتفاؤل به، واللَّه تعالى أعلم.