أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ … وَهْيَ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ وَإِصْبَعُ
وعن الفرّاء أيضًا: الذراع أُنثى، وبعض عُكْلٍ يُذَكِّر، فيقول: خمسة أذرُع، قال ابن الأنباريّ: ولم يَعْرِف الأصمعيّ التذكير، وقال الزجّاج: التذكير شاذّ غير مختار، وجمعها أَذْرُع، وذُرْعَان، حكاه في "الْعُبَابِ"، وقال سيبويه: لا جمع لها غير أَذْرُع. انتهى (¬١).
(وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) قال القاضي عياض ﵀: محبته ﷺ للذراع، وإعجابه بها؛ لِنُضْج لحمها، وسُرْعة استمرائه له، مع زيادة لَذَّته، وحلاوة مَذَاقه على سائر لحم الشاة، وبُعْده عن مواضع الأذى الذي كان يتّقيه ﷺ. انتهى (¬٢).
وقد رَوَى الترمذيّ بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غِبًّا، فكان يَعْجَل إليها؛ لأنها أعجلها نُضْجًا.
(فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) هو بالسين المهملة، قال القاضي عياض ﵀: أكثر الرواة رووه بالمهملة، ووقع لابن ماهان بالمعجمة، وكلاهما صحيح، بمعنى: أَخَذَ بأطراف أسنانه، قال الهرويّ: قال أبو العباس: النَّهْسُ بالسين المهملة بأطراف الأسنان، وبالشين المعجمة بالأضراس، قال القاضي: قال غيره: هو نَشْرُ اللحم، قال النضر: نُهِشَتْ عَضُداه: أي دُقّتا. انتهى (¬٣).
(فَقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ) قال القرطبيّ ﵀: أي المقدّم عليهم، والسيّد: هو الذي يسود قومه، أي يفوقهم بما جَمَعَ من الخصال الحميدة بحيث يَلجؤون إليه، ويُعوِّلون عليه في مهمّاتهم، قال الشاعر:
فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدتَنَا … وَإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخُلْ
وقد تحقّق كمال تلك المعاني كلّها لنبيّنا محمد ﷺ في ذلك المقام الذي يَحمَده، وَيغْبِطه فيه الأولون والآخرون، وَيشهَد له بذلك النبيّون والمرسلون، وهذه حكمة عَرْض الشفاعة على خيار الأنبياء ﵈، فكلُّهم تبرّأ منها، ودلّ على غيره إلى أن بلغت محلّها، واستقرّت في نصابها (¬٤).