(أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يُصاب بمكروه من عدوّ، إما بأسر، وإما بغير ذلك قبل أن يصل إلينا، وقال القرطبيّ: أي يُحال بيننا وبينه بأخذ، أو هلاك (¬١) (وَفَزِعْنَا) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ: أي خِفْنا، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "الْفَزَعُ" يكون بمعنى الرَّوْع، وبمعنى الْهُبُوب للشيء، والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، قال: فتصح هذه المعاني الثلاثة: أي ذُعِرْنَا؛ لاحتباس النبيّ ﷺ عنّا، إلا تراه كيف قال: "وخَشِينا أن يُقْتَطَع دوننا"، ويدل على الوجهين الآخرين قولُهُ: "فكنتُ أَوَّلَ من فَزعَ" انتهى (¬٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ففزعنا" من قولهم: فَزِعتُ إلى كذا: إذا أقبلت عليه، وتفرّغت له، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
فَزِعْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ بَلَايَا تَنُوبُنِي … فَأَلْفَيْتُكُمْ مِنْهَا كَرِيمًا مُمَجَّدَا
وقد دلَّ على ذلك قوله: "فكنتُ أَوّلَ من فَزِعَ": أي أوّل من أخذ في طلبِه، وليس هو من الفزع الذي هو الذُّعْرُ والخوف؛ لأنه قد قال قبل هذا: "فخَشِينا أن يُقتَطَعَ دوننا"، ثمّ رَتَّبَ "فَزِعْنَا" عليه بفاء التعقيب المشعرة بالتسبب، والفزع مشترك يُطلق على ذينك المعنيين، وعلى الإغاثة. انتهى (¬٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما سبق عن القاضي عياض رحمه الله تعالى من صحة إطلاقه على المعاني الثلاثة هو الأولي، ولا ينافيه قوله الماضي: "فخشينا إلخ"؛ إذ يكون من باب التوكيد، فتبصر، والله تعالى أعلم.
(فَقُمْنَا) أي لطلبه، والبحث عنه، وقال القرطبيّ: قوله: "وقمنا"، أي تركنا ما كنّا فيه، وأقبلنا على طلبه.
(فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ) أي أسبق من ارتاع به، أو قام لطلبه، أو لإغاثته (فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ ﷺ) أي أطلبه، والجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كوني مبتغيًا، أي طالبًا له ﷺ، وإنما قال: "رسول الله"، مع أن المقام يقتضي الإضمار؛ تلذُّذًا بذكره ﷺ على حدّ قول القائل [من الطويل]: