وقال القرطبيُّ ﵀: قوله: "واهدني لأحسن الأخلاق" أي: لأكملها وأفضلها، وهي الْخُلُق الصحيح، والكفّ عن القبيح، وقيل: للقيام بالحقوق، والعفو عن العقوق، كما قال: "أن تُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك" (¬١)، وقد أجاب اللَّه تعالى دعاء نبيّه ﷺ في ذلك، فجَمَع له منها ما تفرّق في العالمين، حتى قال اللَّه تعالى له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. انتهى (¬٢).
وقوله: (لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية لطلب الهداية، كما مرَّ نظيره آنفًا (وَاصْرِفْ عَنِّي سَيَئّهًا) أي: أبعد عني قبيحها، وقوله: (لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيَئِّهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية أيضًا.
(لَبَّيْكَ) قال النوويُّ ﵀: قال العلماء: معناه: أنا مقيم على طاعتك إقامةً بعد إقامة. انتهي، وقال الأزهريّ ﵀: أي: أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لَبَّ بالمكان، وألَبَّ: إذا أقام به، لبًّا، وإِلْبَابًا، فأصل "لبيك" لبَّيْنِ، فحذفت النون للإضافة، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
نُونًا تَلِي الإعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا
واللَّبُّ: الإقامة على الطاعة. قاله الأزهريّ ﵀.
وقال العلامة الرضيّ ﵀: أصل "لبيك" أُلِبّ لك إِلْبَابين؛ أي: أقيم على طاعتك هاجابتك إقامتين، من أَلَبَّ بالمكان: إذا أقام به، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، فصار إلْبَابين لك، ثم حذفت زوائده، وحذف الجارّ، وأضيف للضمير، كلُّ ذلك ليسرع المجيب إلى سماع خطاب مناديه. انتهى.
(وَسَعْدَيْكَ) أي: أُسعد أمرك، وأتّبعه إسعادًا بعد إسعاد، ومتابعةً لدينك الذي ارتضيته بعد متابعة، ولا تُستَعمَل إلَّا بعد "لبيك"؛ لأنَّها توكيد لها.
وقال القرطبيّ ﵀: "لبيك": معناه: إجابةً لك بعد إجابة، و"سعديك": أي: مساعدةً بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلَّا مضافة مثنّاةً. انتهى (¬٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد أن "لَبَّيْ" و"سَعْدَيْ" لا يستعملان إلَّا مضافين للضمير، وشذّ إضافة "لبّي" للفظ "يدي"، كقول الشاعر [من المتقارب]: