النبيّ ﷺ سواء كان له أصل في الشرع أم لا، فكلُّ ما أورده النوويّ من الأمثلة، وظنّ أنه مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه من اللغويّة، لا من الشرعية.
والحاصل أن البدع التي ليس لها مُسْتَنَدٌ من الأدلة الشرعية، فإنها بدعة شرعية ضلالة، وأن البدع التي لها أصل من الأدلة الشرعيّة، فهي من البدع اللغويّة، وليست من الضلالة في شيء، ويدلّ على هذا التقسيم الحديثُ المتّفق عليه: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، فقوله ﷺ: "ما ليس منه" يدلّ على أن من المحدَث ما هو من الشرع، وهو الذي تدلّ عليه الأدلة الشرعيّة، ومن ذلك قول عمر ﵁: "نعمت البدعة"، فإنه أراد به كونها بدعة لغويّة، وذلك لأن قيام رمضان رغّب فيه النبيّ ﷺ، بل صلى بعض الليالي بأصحابه، ثم اعتذر إليهم بخشية أن يُفرَض عليهم، فلا يقومون به، فلما تُوفّي ﷺ، رأى عمر ﵁ أن الخشية ارتفعت، فجمعهم على إمام واحد، واستحسن منه ذلك كثيرٌ من الصحابة ﵃، ومنهم عثمان وعليّ ﵄، فقد كان الناس يصلّون جماعة في خلافتهما. وكذلك ما نقل عن الإمام الشافعيّ ﵀ وغيره من تقسيم البدع إلى محمودة ومذمومة، فإنما أرادوا البدعة اللغوية، لا الشرعيّة، فافهم الفرق، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، وسيأتي مزيد بسط وإيضاح لهذا في المسائل الآتية -إن شاء اللَّه تعالى- وباللَّه تعالى التوفيق.
(ثُمَّ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ) قال النوويّ ﵀: هو موافق لقول اللَّه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ أي: أحقّ، قال أصحابنا -يعني: الشافعيّة-: لو كان النبيّ ﷺ مضطرًّا إلى طعام غيره، وهو مضطرّ إليه لنفسه كان للنبيّ ﷺ أخذه من مالكه المضطرّ، ووجب على مالكه بذله له ﷺ، قالوا: ولكن هذا -وإن كان جائزًا- فما وقع. انتهى.
(مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ) أي: فهو ميراث لأهله (وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ") أي: فعليّ وفاء دينه، وإلَيّ كفالة عياله، فالأول راجع إلى الدَّين، والثاني راجع إلى الضياع.
قال النوويّ ﵀: هذا تفسير لقوله: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه"،