استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تكليف الملائكة من قِبل الله تعالى، وأن الأمر والنهي مُتوجه عليهم كسائر المكلفين؛ لأنه تعالى قال ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: من الطاعة والتدبير، وأنهم بين الخوف والرجاء، أما على الخوف فهو ظاهر، وأما على الرجاء فلاستلزام الخوف لأن الخوف يستلزم الرجاء. (¬١)
وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والنيسابوري، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (¬٢)
وظاهر الكتاب والسنة تكليف الملائكة كما أخبر الله تعالى عنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]، وقال ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وقال: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]- ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا كله تكليف وناشئ عن التكليف (¬٣)، لكن الملائكة مطبوعون على طاعة الله، ليس لديهم القدرة على العصيان، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. فتركُهم للمعصية، وفعلهم للطاعة جبلّة، لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم.