وقال قتادة: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ إذا غشيها النهار (¬١).
وقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلّا الظلمة، لدلالة الكلام عليها (¬٢).
(قلت): ولو أن هذا القائل تأول ذلك بمعنى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ أي: البسيطة لكان أولى ولصحَّ تأويله في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ إنه كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل] وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس لجريان ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق.
وقال بقية بن الوليد، عن صفوان: حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ غشي عبادي خلقي العظيم فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ يحتمل أن تكون ما هاهنا مصدرية بمعنى والسماء وبنائها، وهو قول قتادة (¬٣)، ويحتمل أن تكون بمعنى (مَنْ) يعني والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد (¬٤)، وكلاهما متلازم والبناء هو الرفع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات] وهكذا قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)﴾ قال مجاهد: طحاها: دحاها (¬٥).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ أي: خلق فيها (¬٦).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: طحاها قسمها (¬٧).
وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثوري وأبو صالح وابن زيد: ﴿طَحَاهَا﴾ بسطها (¬٨)، وهذا أشهر الأقوال وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة.
قال الجوهري: طحوته مثل دحوته؛ أي: بسطته.
وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال
تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٣٠]