الوقفة الثالثة: أن يعلم المؤمنُ أن العدوى بالمرض ثابتةٌ عقلاً وعلماً وشرعاً؛ لكنها بقدر الله وبإذنه، بيد أن هناك حديثاً لرسول الله يأخذ بذوي الألباب الباصرة، وأولي الأفئدة المستنيرة، وقف عنده العلماء قديماً وحديثاً قال فيه: «لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ ... » وقال في آخره: «وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ (¬١)» حديث عجيب غريب أوله يناقض آخره ظاهراً (¬٢)!، ورسول الله لا ينطق عن الهوى، فأوله نفي للعدوى "لا عَدْوَى" وآخره إثبات لها، فكيف يكون ذلك .. ؟! وحاشا لرسول الله أن يقول كلاماً متناقضاً.
قال العلماء ﵏-أما قوله"لا عَدْوَى": فهي إبطال لما كانت تعتقده العرب ويعتقده اليوم اللادينيون من أن المرض يتعدى بنفسه من شخص لآخر، ويعدي بطبعه، وعقيدة المسلم أنه متعلق بالمشيئة الربانية.
وأما قوله ﷺ "وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ" فهو إثبات للعدوى لكن تحت المشيئة الإلهية، فنهي النبيِّ ﷺ عن الدنو من المريض مرضاً معدياً إنما ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مُسبَّباتِها، والنهي عن مداناة المجذوم من قبيل اتقاءِ الجدار المائلِ والسفينةِ المعيبة.
ولعل أحدث بحثٍ في علم الجراثيم يشير إلى ما ذكره رسول قبل أربعة عشر قرناً (¬٣)، ويجعل مراد النبي لمعنىً آخر لم يُهتدى إليه إلا في العصر الحديث، قال علماء الطب: "إن الجرثوم قد ينتقل من مريضٍ إلى صحيح، ولا يمرض الصحيح، وقد ينتقل من صحيحٍ إلى صحيح، فيمرض الصحيح الثاني، وقد ينتقل من مريضٍ إلى صحيح، فتُسبّبُ هذه الجرثومة للصحيح مناعة، يزداد بها قوةً، وقد ينتقل من صحيحٍ إلى صحيحٍ أول، وصحيحٍ ثان، وثالث، ورابع، وخامس، وعاشر، فيصاب الصحيح العاشر. فحينما قال النبي ﵊: "لا عَدْوَى"
أي أن العدوى لا تُمْرِضْ بذاتها، ولكن العدوى تهيئ أسباب المرض، هذا معنى قول النبي ﷺ وهو في منتهى الدقة ... ولذلك قال ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا (¬٤)» (متفق عليه).
وهذا التوجيه الكريم: يقتضي محاصرة الوباء، وعند إعلان المسؤولين بأنه وباء، وبأنه أصبح خارج السيطرة والتحكم في شأنه، ينبغي للمسلم أن يحتسب عند الله الالتزام بالنصوص الشرعية فيما يكون عليه حاله من عدم التعرض لمثل هذه الاوبئة أو المساعدة في انتشارها، وكان عمر ﵁ خرج بالناس فلما عوتب ﵁ في ذلك لما أبى أن يدخل إلى أرض عمواس لما فيها من الطواعين، وقف واستشار أصحاب رسول الله ﷺ، فلم يجد عند كثير منهم خبراً، فقال: أرجع بالناس، ولا أدخل، فعاتبه بعض الصحابة، وقالوا: تفر من قدر الله؟ قال: نعم، نفر من قدر الله، إلى قدر الله. (أصله في الصحيحين)