وليس قول من قال: إنه مخير في المحارب أنه يفعل فيه بالهوى، ولكنه يجتهد فيما يراه ردعاً، ويتخير من العقوبات التي أنزلها الله ﵎ فيه ما يرى أنه أقرب إلى الله، فكم من محارب لم يَقتُل، له في أمره من الرئاسة والتأليب على قطع طريق المسلمين أكثر ممن قد قَتَلَ في محاربته، كما أن المجاهدين في سبيل الله لِكثيرٍ ممن لم يَقتُل منهم من العناء والتدبير ما ليس لمن قَتَل، وإذا اجتمع الناس في الخير والشر فأعظمهم عناءً أعظمهم أجراً في الخير، وأعظمهم وزراً في الشر، فلذلك جعل الاجتهاد إلى الحاكم في المحاربين، وهو حق من حقوق الله يقوم به الإمام، وأما الآية فيمن لم يقتل، ولم يأخذ المال، وإنما هي فيمن أفسد في الأرض، وعصى الله بذلك، فمحاربة الله عصيانه، ألا تراه قال في الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (¬١) وحرب الله عقوبته لمن عصاه فحاربه، ولذلك قيل: يقال للمرء يوم القيامة: خذ سلاحك، وقم (¬٢).
فإذا قتل المحارب، وتاب قبل القدرة خرج من حكم هذه الآية، وصار مقتولاً قصاصاً، يقول الله ﵎: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (¬٣) عند من يرى قتله بالآية، وخرج من حكم الآية إذ يقول الله ﷿: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (¬٤)