قال القاضي: وقد كان ابن سريج (¬١) عارضني في هذه الآية بأن قال: قال الله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (¬٢) فقد يكون فيهن من لا يجوز قبضه فيدفع إلى غيره، كذا قيل هاهنا في الأمة، والدفع إلى غيرها.
فقلت له: الآيتان عليك، وذلك أن قوله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (¬٣) قد علمنا جميعاً أنهن المالكات القابضات *، فإذا كان فيهن الصغيرة التي لا تقبض بنفسها قبض لها أبوها، أو من يقوم مقامه بأمره، والملك لها، وجنس الإماء عندك لا يملك، فلو كان كما تقول، لكان الميم أولى من النون، وليس لك في الآيتين حجة، وكذلك نقول في الإماء: إنهن المالكات القابضات بنص الكتاب، وقد يكون أيضاً منهن الصغيرة التي لا يجوز قبضها فيقبض لها سيدها، والملك لها ما لم يشهد على انتزاعه منها. وقد زعم أهل العراق: أنه لو وهب رجل لعبده هبة وقبضها العبد، لكانت الهبة جائزة، وكان القبض جائزاً، وهم في الأصل يقولون: إن الهبة لا تكون جائزة بأمة حتى يقبضها الموهوب له، أو وكيله (¬٤)، ثم حاروا في هذا الموضع: قبض العبد للهبة وهو لا يملكها عندهم، ولا وكّله سيده في قبضها.