وَأَمَّا "مِنْ" فَإِنَّهَا الَّتي تَأْتِي لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّفْصِيلِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: جَاءَنِي القَوْمُ مِنْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ.
وَ"مِنْ" هَذِهِ وَ"بَيْنَ" يَتَعَاقَبَانِ عَلَى المَعْنَى الوَاحِدِ، تَقُولُ: جَاءَنِي القَوْمُ بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ المَعْنَى بِعَيْنِهِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا تَنُوبُ مَنَابَ الأَخْبَارِ فِي قَوْلِكَ: القَوْمُ مِنْ صَاحِكِ وَبَاكٍ.
وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: (بسيط)
وَالعِيسُ مِنْ وَاسِجٍ أَوْ عَاسِجٍ خَبَبًا … يَنْجَزْنَ مِنْ جَانِبَيْهَا وَهِيَ تَسْتَلِبُ (¬١)
وَكَانَ القِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: "فَكُلْ مَا تُعْلَفُ" لأنَّ الأَمْرَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالمُسْتَقْبَلِ، غَيْرَ أَنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ هَا هُنا الماضِي فَيَقُولُونَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، وَاشْكُرِ الله عَلَى مَا وَهَبَكَ. وَمِنْهُ قَوْلَ الرَّاجِزِ:
وَإِنَّمَا نَأْخُذُ مَا أُعْطِينَا (¬٢)
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا وُضِعَ فِيهِ المَاضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ حِينَ فُهِم المَعْنَى كَقَوْلِهِ: (كامل)
شَهِدَ الحُطَيْئَةُ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ … أَنَّ الوَلِيدُ أَحَقُّ بِالعُذْرِ (¬٣)
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: خُذْ مَا قُدِّرَ لَكَ أَنْ تُعْطَاهُ وَكُلِّ مَا قُدِّرَ لَكَ أَنْ تُعْلَفَهُ، لأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مُسْتَقْبَلَيْنِ فَالقَدَرُ قَدْ سَبَقَ بِوُقُوعِهِمَا فِي الوَقْتِ الَّذِي