أَيْ مُعْتَمِدِينَ عَلَى دَلِيلٍ.
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: "عَنَفَ بِهِ"، وَ"عَنَفَ عَلَيْهِ" (¬١) فَلَيْسَا مِنْ هَذَا البَابِ، إِنَّمَا عَنَفَ بِهِ كَقَوْلِكَ: أَلْصَقَ بِهِ العَنْفَ. وَعَنَفَ عَلَيْهِ أَوْقَعَ عَلَيْهِ العَنْفَ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الحَرَفَيْنِ يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا عَلَى مَوْضُوعِهِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ. وَكَذَلِكَ. "خَرُقَ بهِ"، وَخَرُقَ عَلَيْهِ" (¬٢).
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ذُوئْبٍ: (كامل)
وَكَأَنَّهُنَّ رِبَابَةٌ وَكَأَنَّهُ … يَسَرٌ يَفِيضُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُ (¬٣)
فَلَيْسَ كَقَوْلِهِمْ: ارْكَبْ عَلَى اسْم الله، وَلَا كَقَوْلِ الآخَرِ: (كامل)
شُدُّوا المَطِيَّ عَلَى دَلِيلٍ دَائِبِ
لأَنَّ "عَلَى" فِي بَيْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسٍ "يُفِيضُ"، لأَنَّهُ يُقَالُ: أَفَاضَ بِالقِدَاحِ: إِذَا دَفَعَ بِهَا. فَالظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِ "عَلَى" هَذِهِ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن البَاءِ، وَإِنَّمَا جَازَ لِـ "عَلَى" أَنْ تَقَعَ مَوْقِعَ البَاءِ، لأَنَّهُ إِذَا قَالَ: دَفَعَتْ به، فَمَعْنَاهُ كَمَعْنَى: أَوْقَعَتْ عَلَيْهِ الدَّفْعَ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى قَوْل مَنْ جَعَلَ "يَصْدَعُ" فِي هَذَا البَيْتِ بِمَعْنَى: يَصِيحُ. فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ "عَلَى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يَصْدَعُ"، كَأَنَّهُ قَالَ: وَيَصْدَعُ عَلَى القِدَاحِ، كَقَوْلِهِ: يَصِيحُ عَلَيْهَا. فَتَقَدَّمَ الجَارُّ هُنَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَتَقَدُّمِ الظَّرْفِ فِي قَوْلِ طَرَفَة: (طويل)
تَلَاقَى وَأَحْيَانًا تَبِينُ كَأَنَّهَا … بَنَائِقٌ غَرٌّ فِي قَمِيصٍ مُقَدَّدِ (¬٤)