كَرِهْتُ ذِكْرَهُ، فَأَنَا أَحْسِبُ الْأَسْنَانَ الْأَرْبَعَ الَّتِي أَسْقَطَهَا مِنْ عَدَدِ الْأَرْحَاءِ هِيَ الطَّوَاحِنُ عِنْدَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ يَصِيرُ عَدَدُهَا عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ فِي كِتَابِ "خَلْقِ الْإِنْسَانِ": الْأَسْنَانُ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ: ثِنَيَّتَانِ وَرُبَاعِيَتَانِ وَنَاجِذَانِ وَهُمَا النَّابَانِ، وَضَاحِكَانِ وَثَمَانِيَةُ أَضْرَاسٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَرْبَعَةٌ، هَذَا فِي الْفَكِّ الْأَعْلَى، وَفِي الْفَكِّ الْأَسْفَلِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَعْقُوبُ النَّوَاجِذَ مِنَ الْأَنْيَابِ عَلَى مَا تَرَى وَضَمَّ الَّتِي سَمَّاهَا الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو زَيْدٍ نَوَاجِذَ إِلَى عَدَدِ الْأَرْحَاءِ فَسَمَّى الْجَمِيعَ مِنْهَا أَضْرَاسًا.
وَقِيلَ: إِنَّ النَّوَاجِذَ هِيَ الضَّوَاحِكُ، كَذَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
وَفِي كِتَابِ "الْعَيْنِ": "النَّاجِذُ: السِّنُّ الَّتِي بَيْنَ النَّابِ وَالْأَضْرَاسِ (¬١). وَحُجَّةُ مَنْ جَعَلَ النَّوَاجِذَ الْأَنْيَابَ أَوِ الضَّوَاحِكَ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) (¬٢)، وَلَمْ يَكُنْ ﷺ مِمَّنْ يُفْرِطُ فِي الضَّحِكِ إِنَّمَا كَانَ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا.
وَمَنْ جَعَلَ النَّوَاجِذَ أَقْصَى الْأَضْرَاسِ قَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَوَاجِذَهُ ظَهَرَتْ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ أَكْثَرَ مِنَ الضَّحِكِ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ حَتَّى كَادَتْ نَوَاجِذُهُ تَظْهَرُ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذَا فِي الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَا فِي الدُّنْيَا مَنْ يَقُولُ هَذَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا مَنْ يَقُولُهُ، وَلَكِنَّهُ قَصَدَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِنْكَارِ.
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ "أَدَبِ الْكُتَّابِ": وَالنَّوَاجِذُ لِلْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ (¬٣)، وَفِي بَعْضِهَا: وَالنَّوَاجِذُ لِلْإِنْسَانِ، وَالْقَوَارِحُ لِلْفَرَسِ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي" (¬٤).