أعلم أمرا أبلغ في شكركم من بناء مسجد على هذا الصعيد الذي رحمكم الله عليه، فنبنيه مسجدا يعبد الله فيه ويقدسه (¬١) أنتم ومن بعدكم، قالوا: نفعل، وسأل داود ربه فأذن له، وأقبلوا على بنائه.
وروي (¬٢) أن الله تعالى لما أمر داود، ﵇، أن يبني مسجد بيت المقدس قال: يا رب وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه، قال: فرآه داود في ذلك المكان فأسس قواعده ورفع حائطه (¬٣) فلما ارتفع انهدم، فقال داود:
يا رب أمرتني أن أبني لك بيتا فلما ارتفع هدمته، فقال: يا داود إنما جعلتك خليفتي في خلقي فلم أخذت المكان من صاحبه بغير ثمن؟ إنه سيبنيه رجل من ولدك (¬٤).
وحكى في معنى هذا الأثر أن المكان كان لجماعة من بني إسرائيل ولكل واحد منهم فيه حق، فطلبه داود منهم، وأنعم به (¬٥) البعض باللفظ والبعض بالسكوت ففهم داود من الساكتين الرضا (¬٦)، وكان بعضهم غير راض في الباطل فحمل داود الأمر على ظاهره فبناه (¬٧).
فجاء بعض أصحاب الحق (¬٨) إلى بني إسرائيل وقال لهم: إنكم تريدون أن تبنوا على حقي وأنا مسكين وأنه موضع بيدري أجمع فيه طعامي فارتفق (¬٩) بحمله إلى منزلي لقربه إن بنيتم عليه أضررتم بي، فانظروا في أمري فقالوا له: كل من بني إسرائيل له مثل حقك وأنت أبخلهم، فإن أعطيته (¬١٠) طوعا وإلا أخذناه على كره منك، فقال: أتجدون هذا في حكم داود؟ ثم انطلق وشكاهم إليه، فدعاهم وقال لهم: تريدون أن تبنوا بيت الله بالظلم (¬١١) ما أراكم يا بني إسرائيل تستكينون لله ﷿ ولا أرى إلا أن البلاء يضغطكم.