وغالب الأبنية التي في الأماكن العالية مشرفة على ما هو دونها من الأماكن المنخفضة، وشوارع المدينة بعضها سهل وبعضها وعر، وفي الغالب الأماكن يوجد أسفله (¬١) أبنية قديمة، وقد بني فوقها بناء مستجد على بناء قديم، والبناء مشحون بحيث لو تفرق على حكم غالب مدن المملكة (¬٢) لكان حجمها ضعف ما هو الآن، وهي كثيرة الآبار المعدة لخزن الماء، لأن ماءها يجمع (¬٣) من الأمطار.
وأما ما بالقدس الشريف من الأماكن المحكمة البناء (¬٤) فمن ذلك سوق القطانين المجاور لباب المسجد من جهة الغرب، وهو سوق في غاية الاتقان والارتفاع (¬٥) لم يوجد مثله في كثير من البلاد، وأيضا الأسواق الثلاثة المجاورة بالقرب (¬٦) من باب المحراب المعروف بباب الخليل، وهي من بناء الروم ممتدة (¬٧) قبلة بشام ومن بعضها إلى بعض منافذ. فالأول منها وهو الغربي سوق العطارين، وقف الملك صلاح الدين، رحمه الله تعالى (¬٨)، على المدرسة الصلاحية، والذي يليه وهو الأوسط لبيع الخضروات، والذي يليه لجهة (¬٩) الشرق لبيع القماش، وهما وقف على مصالح المسجد الأقصى الشريف. وقد ذكر المسافرون أنهم لم يروا مثل الأسواق الثلاثة في الترتيب والبناء في بلدة من البلاد (¬١٠)، وأن ذلك من المحاسن التي لبيت المقدس. وروي عن سلامة بن قيصر، وكان عمر بن الخطاب، ﵁، خلفه يصلي (¬١١) بالناس ببيت المقدس، أن عمر ﵁، لما فتح بيت المقدس وقف على رأس السوق في أعلاه، فقال: لمن هذا الصف (¬١٢)؟ يعني صف سوق البزازين، فقالوا: للنصارى، ثم قال (¬١٣): لمن هذا الصف الغربي، الذي فيه حمام السوق؟ فقالوا: للنصارى، فقال بيده هكذا: هذا لهم وهذا لهم، يعني