سليمان عبد الملك، المتقدم ذكره، لما ولي الخلافة في سنة ٩٦ هـ (¬١)، من الهجرة الشريفة، وهو جامع متسع (¬٢) مأنوس عليه الأبهة والوقار والنورانية (¬٣)، ويعرف في عصرنا وقبله بالجامع الأبيض، وفي صحنه السماوي مغارة تحت الأرض مهيبة يقال: أن فيها (¬٤) دفن سيدنا صالح النبي، ﷺ وتقدم ذكر ذلك، ثم جددت عمارة الجامع الأبيض في زمن الملك الناصر (¬٥) صلاح الدين على يد رجل من دولته اسمه الياس بن عبد الله، أحد جماعة الأمير علم الدين قيصر، عين الأمراء بالدولة الصلاحية، وكانت عمارته في سنة ٥٨٦ هـ (¬٦)، ثم لما فتح الملك الظاهر بيبرس يافا سنة ٦٦٦ هـ (¬٧)، عمر القبة التي على المحراب والباب المقابل للمحراب، وهو المجاور للمنبر الذي يخطب عليه للعيد (¬٨)، وعمر المنارة القديمة، وقد زالت وبنى عوضها المنارة الموجودة الآن، وأما المدينة يومئذ (¬٩) فقد تقهقرت، ونقصت جدا وقلّ ساكنوها، ومع ذلك فهي مقصودة للبيع والشراء، ولا تخلو من بركة في معيشتها لبركة (¬١٠) أرضها وسكانها من الأنبياء والصحابة والعلماء والأولياء.
فإن فيها السيد الجليل الفضل بن العباس (¬١١) ﵄، وهو ابن عم الرسول ﷺ، وكان والده العباس يكنى به، وهو الذي (¬١٢) غسل رسول الله، ﷺ، لما توفي كما تقدم، ووفاته في طاعون عمواس (¬١٣) في سنة ١٨ من الهجرة