رُذال أَمْتعتهم. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ، ﵂: ودَدْتُ أَنِّي كنتُ نِسْياً مَنْسِيّاً
أَي شَيْئًا حقِيراً مُطَّرَحاً لَا يُلْتَفَت إِليه. وَيُقَالُ لخِرقة الحائضِ: نِسْيٌ، وَجَمْعُهُ أَنْسَاء. تَقُولُ الْعَرَبُ إِذَا ارْتَحَلُوا مِنَ الْمَنْزِلِ: انْظُرُوا أَنْسَاءَكم، تُرِيدُ الأَشياء الحَقيرة الَّتِي لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ بِبَالٍ مِثْلَ العَصا والقَدَح والشِّظاظ أَي اعْتَبِرُوها لِئَلَّا تَنْسَوْها فِي الْمَنْزِلِ، وَقَالَ الأَخفش: النِّسْيُ مَا أُغفل مِنْ شَيْءٍ حَقِيرٍ ونُسِيَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: النِّسْي فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الشَّيْءُ المَطْرُوح لَا يُؤْبَهُ لَهُ؛ وَقَالَ الشَّنْفَرَى:
كأَنَّ لَهَا فِي الأَرضِ نِسْياً تَقُصُّه ... عَلَى أَمِّها، وإِنْ تُخاطِبْكَ تَبْلَتِ [تَبْلِتِ]
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: بَلَتَ، بِالْفَتْحِ، إِذا قَطَعَ، وبَلِتَ، بِالْكَسْرِ، إِذا سَكَنَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: النِّسْي والنَّسْيُ لُغَتَانِ فِيمَا تُلقِيه المرأَة مِنْ خِرَق اعْتِلالها مِثْلَ وِتْرٍ وَوَتْرٍ، قَالَ: وَلَوْ أَردت بالنِّسْي مَصْدَرَ النِّسْيان كَانَ صَوَابًا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ نَسِيته نِسْياناً ونِسْياً، وَلَا تَقُلْ نَسَياناً، بِالتَّحْرِيكِ، لأَن النَّسَيان إِنما هُوَ تَثْنِيَةُ نَسَا العِرْقِ. وأَنْسَانِيه اللهُ ونَسَّانِيه تَنْسِيَةً بِمَعْنًى. وتَنَاسَاه: أَرَى مِنْ نَفْسِهِ أَنه نَسِيَه؛ وَقَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
ومِثْلِكِ بَيْضاءِ العَوارِضِ طَفْلةٍ ... لَعُوبٍ تَنَاسَانِي، إِذا قُمْتُ، سِرْبالي «٢»
أَي تُنْسِيني؛ عَنْ أَبي عُبَيْدٍ. والنَّسِيُّ: الْكَثِيرُ النِّسْيان، يَكُونُ فَعِيلًا وفَعُولًا وفَعِيلٌ أَكثر لأَنه لَوْ كَانَ فَعولًا لَقِيلَ نَسُوّ أَيضاً. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: رَجُلٌ ناسٍ ونَسِيٌّ كَقَوْلِكَ حاكِمٌ وحَكِيمٌ وعالِم وعَليم وَشَاهِدٌ وَشَهِيدٌ وَسَامِعٌ وَسَمِيعٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
؛ أَي لَا يَنْسَى شَيْئًا، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَجَائِزٌ أَن يَكُونَ مَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعلم، مَا نَسِيَكَ ربُّكَ يَا مُحَمَّدُ وإِن تأَخَّر عَنْكَ الوَحْي؛ يُرْوَى
أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ، أَبطأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، ﵇، بالوَحْي فَقَالَ وَقَدْ أَتاه جِبْرِيلُ: مَا زُرْتَنا حَتَّى اشتَقْناكَ، فَقَالَ: مَا نَتَنَزَّلُ إِلا بأَمْر رَبِّكَ.
وَفِي الْحَدِيثُ:
لَا يَقولَنَّ أَحدُكم نَسِيتُ آيةَ كَيْتَ وكَيْتَ
، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، كَرِهَ نِسْبةَ النِّسْيانِ إِلى النفْس لِمَعْنَيَيْنِ: أَحدهما أَن اللَّهَ ﷿ هُوَ الَّذِي أَنْساه إِيَّاه لأَنه المُقَدِّر للأَشياء كُلِّهَا، وَالثَّانِي أَنَّ أَصل النِّسْيَان التَّرْكُ، فَكَرِهَ لَهُ أَن يَقُولَ تَرَكْتُ القُرآن أَو قَصَدْتُ إِلى نِسْيانه، ولأَن ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ. يُقَالُ: نَسَاه اللَّهُ وأَنْسَاه، وَلَوْ رُوِيَ نُسِيَ، بِالتَّخْفِيفِ، لَكَانَ مَعْنَاهُ تُرِك مِنَ الْخَيْرِ وحُرِمَ، وَرَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ:
بِئْسَما لأَحَدِكم أَن يَقُولَ نَسِيتُ آيةَ كَيْتَ وكَيْتَ
، لَيْسَ هُوَ نَسِيَ وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ، قَالَ: وَهَذَا اللَّفْظُ أَبْيَنُ مِنَ الأَول وَاخْتَارَ فِيهِ أَنه بِمَعْنَى التَّرْكِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثِ:
إِنما أُنَسَّى لأَسُنَ
أَي لأَذكر لَكُمْ مَا يَلزم النَّاسِيَ لِشَيْءٍ مِنْ عبادتِه وأَفْعَل ذَلِكَ فَتَقْتَدوا بِي. وَفِي الْحَدِيثِ:
فيُتْرَكون فِي المَنْسَى تَحْتَ قَدَمِ الرَّحْمَنِ
أَي يُنْسَونَ فِي النَّارِ، وتحتَ القدَمِ استعارةٌ كأَنه قَالَ: يُنْسِيهمُ اللهُ الخَلق لِئَلَّا يَشفع فِيهِمْ أَحد؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبْلَتْ مَوَدَّتَها اللَّيالي بَعْدَنا، ... ومَشَى علَيْها الدَّهْرُ، وهْوَ مُقَيَّدُ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ، ﷺ، يومَ الفَتْح:
كلُّ مَأْثُرَةٍ مِنْ مآثِرِ الجاهليّةِ تَحْتَ قدَمَيَّ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
والنَّسِيُّ: الَّذِي لَا يُعَدُّ فِي الْقَوْمِ لأَنه مَنْسِيٌّ. الْجَوْهَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ