الباب العاشر في غزوة غطفان إلى نجد
وهي ذو أمرّ، وسببها إن رسول الله ﷺ بلغه أن جمعا من بني ثعلبة بن سعيد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان وبني محارب بن خصفة بن قيس بذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ﷺ، وجمعهم رجل منهم يقال له: دعثور بن الحارث بن محارب، فندب رسول الله ﷺ المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين، معهم عدة أفراس، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فأصابوا بالمدينة رجلا منهم بذي القصّة يقال له: جبّار من بني ثعلبة، فقال له المسلمون: أين تريد؟ فقال: أريد يثرب لأرتاد لنفسي وأنظر، فأدخل على رسول الله ﷺ فأخبره من خبرهم، قال: قال لن يلاقوك ولو سمعوا بسيرك هربوا في رؤوس الجبال وأنا سائر معك، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام وأسلم، وضمّه رسول الله ﷺ إلى بلال، فأخذ به جبّار طريقا، وهبط به عليهم، وسمع القوم بميسر رسول الله ﷺ، فهربوا في رءوس الجبال، فبلغ ماء يقال له: ذو أمر، فعسكر به، وأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه مطر كثير، فابتلّت ثياب رسول الله ﷺ وثياب أصحابه، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة ونشر ثيابه لتجفّ، واضطجع، وذلك بمرأى من المشركين، واشتغل المسلمون في شؤونهم،
فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له: دعثور بن الحارث، وكان سيدها وأشجعها، ومعه سيف متقلّد به، فبادر دعثور وأقبل مشتملا على السيف، حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد، من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ: «الله» . ودفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ، وقال له: «من يمنعك مني؟» فقال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه،
ثم أتى قومه فقالوا: مالك؟ ويلك! فقال: نظرت إلى رجل طويل، فدفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت بأنّ محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعا. وجعل يدعو قومه إلى الإسلام. وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة ١١] . وعاد رسول الله ﷺ إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، وقال أبو عمر: قام رسول الله ﷺ بنجد صفر كلّه.
تنبيهان
الأول: قال البيهقيّ: سيأتي في غزوة ذات الرّقاع قصة تشبه قصة دعثور، فلعلّهما