[المجلد السابع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جماع أبواب صفاته المعنوية ﷺ
الباب الأول في وفور عقله ﷺ
قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: قرأت في واحد وسبعين كتاباً، فوجدت في جميعها: «أن الله ﵎ لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد ﷺ إلّا حبّة رمل من بين جميع رمال الدنيا، وان محمدا ﷺ أرجح الناس عقلا» . رواه الحكيم الترمذي وأبو نعيم، وابن عساكر رحمهم الله تعالى.
وروى داود بن المحبر [ (١) ] عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «أفضل الناس أعقل الناس» ، قال ابن عباس: وذلك نبيك ﷺ.
ونقل عن العوارف عن بعض الأكابر قال: اللّبّ، والعقل مائة جزء: تسعة وتسعون في النبي ﷺ، وجزء في سائر الناس.
قال القاضي رحمه الله تعالى: ومن تأمل تدبيره ﷺ أمر بواطن الخلق، وظواهرهم، وسياسة الخاصة والعامة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلّم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول وهلة. ومما يتفرع عن العقل ثقوب الرّأي وجودة الفطنة والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة، والتدبير، واقتفاء الفضائل، واجتناب الرذائل، وقد بلغ ﷺ من ذلك الغاية التي لم يبلغها بشر سواه ﷺ.
ومن تأمل حسن تدبيره للعرب الذين كالوحش الشارد، والطبع المتنافر المتباعد، كيف ساسهم؟ واحتمل جفاهم، وصبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم: آباءهم، وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم، وأحبابهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلّم منها سنن الماضين، فتحقّق أنه ﷺ أعقل الناس، ولما كان عقله ﷺ أوسع العقول لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعا لا يضيق عن شيء.