دعاني إلى صرف الهمة إليه ما رأيتُ من عُسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة، إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلّة ضرورية، أو قريبة منها، يذعن إليها المكابر ويهتدي بها المشبَّهُ عليه، كما ينتهي أهلُ العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي إلى الأدلّة الضروريات والمشاهدات والأصول الموضوعة؛ فينقطعُ بين الجميع الحجاج، ويرتفع من أهل الجدل ما هم فيه من لَجاج. ورأيت علماء الشريعة بذلك أولى، وللآخرةُ خير من الأولى.
وقد يَظنُّ ظانٌّ أن في مسائل علم أصول الفقه غُنيةً لمُتطلّب هذا الغرض، بَيْد أنه إذا تمكّن من علم الأصول، رَأَى رَأيَ اليقين أن معظم مسائله مُخْتلَف فيها بين النُظَّار، مستمرٌّ بينهم الخلاف في الفروع تبعاً للاختلاف في تلك الأصول. وإن شئت فقل: قد استمر بينهم الخلاف في الفروع لأن قواعد الأصول انتزعوها من صفات تلك الفروع، إذ كان علم الأصول لم يُدوّن إلا بعد تدوين الفقه بزهاء قرنين (١)!. على أن جمعاً من المتفقّهين كان هزيلاً في الأصول، يَسيرُ