يَتَكَلَّمْ فِيهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي قَالَهَا حِينَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ مِمَّا قَالَ فِيهَا:
[البحر البسيط]
تَمْشِي الْوُشَاةُ بِجَنْبَيْهَا وَقَوْلُهُمُ … إِنَّكَ يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ
وَقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْتُ آمَلَهُ … لَا أَلْقَيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فَقُلْتُ: خَلُّوا سَبِيلِي لَا أَبَا لَكُمْ … فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ … يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَنِي … وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ … الْفُرْقَانِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذْنِي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ … أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ … مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ
فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ … بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا: زُولُوا
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كَشْفَ … عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
يَمْشُونَ مَشْيَ الْجَمَالِ الزَّهْرِ يَعْصِمْهُمْ … ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ
شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ … مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شَكَّتْ لَهَا حِلَقٌ … كَأَنَّهَا حِلَقُ الْعَقْفَاءِ مَجْدُولُ
لَيْسَتْ مَفَارِيحَ إِنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمُ … قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا وَإِنْ نِيلُوا
لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمُ … وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: فَلَمَّا قَالَ: السُّودُ التَّنَابِيلُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لِمَا كَانَ صَاحِبُهُمْ صَنَعَ، وَخَصَّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِدْحَتِهِ، غَضِبَتْ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ وَيَذْكُرُ بَلَاءَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَوْضِعَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ:
[البحر الكامل]
مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ … فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ
الْبَاذِلِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ … يَوْمَ الْهَيَّاجِ وَفِتْنَةِ الْحَارِّ
وَالضَّارِبِينَ النَّاسَ عَنْ أَحْيَاضِهِمْ … بِالْمَشْرَفِيِّ وَبِالْقَنَا الْخِطَارِ
وَالنَّاظِرِينَ بِأَعْيُنٍ مُحْمَرَّةٍ … كَالْجَمْرِ غَيْرِ كَلِيلَةِ الْإِبْصَارِ
يَتَطَهَّرُونَ كَأَنَّهُ نُسُكٌ لَهُمْ … بِدِمَاءِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْكُفَّارِ
لوْ يَعْلَمُ الْأَقْوَامُ عِلْمِي كُلَّهُ … فِيهِمْ لَصَدَّقَنِي الَّذِينَ أُمَارِي