وقد بيّن النبي ﷺ قدر الغنى الذي يحرم به السؤال، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث سهل ابن الحنظلية: أن النبي ﷺ قال: إنَّهُ «مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمرِ جَهَنَّمَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ» (¬١).
وأخبر النبي ﷺ أن العمل وإن كان شاقًا، والمال الذي يأتي منه قليل فهو خير للمرء من السؤال.
فروى البخاري في صحيحه من حديث الزبير بن العوام ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لأَنْ يَاخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَاتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» (¬٢).
وبيّن النبي ﷺ أن السائل من غير ضرورة ولا حاجة ملحة إنما يفتح على نفسه باب الفقر.
روى الترمذي في سننه من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، - وذكر منها: - وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَاّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» (¬٣). اهـ. بل إن النبي ﷺ أخذ البيعة من بعض أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا.
روى مسلم في صحيحه من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ » وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا