المؤمنين؛ جزاء لهم على مواقفهم من دعوة الله ودينه، وفي كل ذلك خير لا يحصل بدون القتال، فأنت ترى أنه من خلال استعراض هذه المعاني المرتبطة بقضية بدر تظهر حكمة فرضية القتال، وكيف أن الخير فيها رغم كراهية الأنفس للقتال، لما فيه من مخاطرة ومغامرة. وفي المقطع معان أخرى ستظهر من خلال ما يأتي من أسباب نزول، أو تفسير حرفي، أو فوائد، وقبل أن نبدأ بذكر المعنى الحرفي نحب أن نذكر رواية ابن إسحاق في الكلام عن المرحلة التي سبقت موقعة بدر.
رواية ابن إسحاق: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم. وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم. وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهله مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتى بلغ واديا يقال له ذفران، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر ﵁ فقال فأحسن.
ثم قام عمر ﵁ فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد، (مدينة في الحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير، ثم قال رسول الله ﷺ: «اشيروا علي أيها الناس». وإنما يريد الأنصار. وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله ﷺ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال