لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر ابن الخطاب ﵁، وفيهم رجل عليه تسبغة له- تعني المغفر-، فقال عمر ﵁: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمّنك أن يكون بلاء أو يكون تخوّر، قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله ﵁ فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله تعالى قالت: ورمى سعدا ﵁ رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له، وقال له خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله، فقطعه، فدعا الله تعالى سعد ﵁ فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، قالت وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقأ كلمه، وبعث الله تعالى الريح على المشركين، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة ابن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصّنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد ﵁ في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أو قد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمرّ على بني تميم وهم جيران المسجد فقال: «من مرّ بكم» قالوا مرّ بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵊، فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم، واشتد البلاء، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح، قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ ﵁. فقال رسول الله ﷺ:
«انزلوا على حكم سعد بن معاذ» فنزلوا وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ ﵁ فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه، وحفّ به قومه، فقالوا:
يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل الكتاب ومن قد علمت، قالت: فلا يرجع إليهم شيئا، لا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قالت: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله ﷺ:
«قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» فقال عمر ﵁: سيدنا الله. قال: «أنزلوه»