ودليل هذا التأويل قوله ﷿: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ الآية (١)، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾: يعني: وللذين، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: ثم أخبر عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية.
ولا شك أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: عطف على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ وأنهم مشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾: من صلة: ﴿الَّذِينَ جَاءُوا﴾ فمعنى الآية: والذين جاؤوا من بعدهم -وهم مع أستحقاقهم الفيء- ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ أي: قائلين: على الحال، وكذلك ها هنا.
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾: من صفة الراسخين، أي: وهم مع ذلك يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾: أي: قائلين ذلك؛ على الحال. وإن شئت أضمرت في ﴿يَقُولُونَ﴾ واوًا ناسقة، أي: ويقولون: آمنا به.
ومما يؤكد هذا القول أن الله تعالى لم ينزل كتابه إلَّا لينتفع به عبادُه؛ ويدل به على المعنى الذي أراده فقال (عز من قائل) (٢): ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (٤) والمبين: الظاهر، وقال تعالى: ﴿بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٥) فوصف