الثَّالِثَةُ- اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ فِي رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ، لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمُقِيمِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالْعَمَلِ وَالنُّهُوضِ، وَالْمُقِيمُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى عَمَلٍ، لِأَنَّهُ إِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ كَانَ مُقِيمًا فِي الْحِينِ، لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى عَمَلٍ فَافْتَرَقَا. وَلَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ أَيْضًا فِي الَّذِي يُؤَمِّلُ السَّفَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، فَإِنْ أَفْطَرَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ كَانَ قَدْ تَأَهَّبَ لِسَفَرِهِ وَأَخَذَ فِي أَسْبَابِ الحركة فلا شي عَلَيْهِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْبَغَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، فَإِنْ عَاقَهُ عَنِ السَّفَرِ عَائِقٌ كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَحَسْبُهُ أَنْ يَنْجُوَ إِنْ سَافَرَ؟. وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءَ يَوْمٍ، لِأَنَّهُ مُتَأَوَّلٌ فِي فِطْرِهِ. وقال أشهب: ليس عليه شي مِنَ الْكَفَّارَةِ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ. وَقَالَ سَحْنُونُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تَقُولُ: غَدًا تَأْتِينِي حَيْضَتِي، فَتُفْطِرُ لِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَصْبَغَ وَقَالَ: لَيْسَ مِثْلَ الْمَرْأَةِ، لِأَنَّ الرَّجُلَ يُحْدِثُ السَّفَرَ إِذَا شَاءَ، وَالْمَرْأَةَ لَا تُحْدِثُ الْحَيْضَةَ. قُلْتُ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي نَفْيِ الْكَفَّارَةِ حَسَنٌ، لِأَنَّهُ فِعْلُ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، وَالذِّمَّةُ بَرِيئَةٌ، فَلَا يَثْبُتُ فيها شي إِلَّا بِيَقِينٍ وَلَا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلَافِ، ثُمَّ إِنَّهُ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى:" أَوْ عَلى سَفَرٍ". وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا أَصَحُّ أَقَاوِيلِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَهِكٍ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ بِقَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَأَوِّلٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَكْلُ مَعَ نِيَّةِ السَّفَرِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مَا أَسْقَطَهَا عَنْهُ خُرُوجَهُ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدُهُ كَذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَهْلٍ بِمِصْرَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عن محمد ابن كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ وَقَدْ رَحَلَتْ دَابَّتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ رَكِبَ. فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قَالَ نَعَمْ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا قَالَ قَالَ لِي أَبُو مُوسَى: أَلَمْ أُنْبِئَنَّكَ إِذَا خَرَجْتُ خَرَجْتُ صَائِمًا، وَإِذَا دَخَلْتَ دَخَلْتَ صَائِمًا، فَإِذَا خَرَجْتَ فَاخْرُجْ مُفْطِرًا، وَإِذَا دَخَلْتَ فَادْخُلْ
Kitab: Tafsir al-Qurthubi · Pengarang: القرطبي
Baca Juz 2, halaman 278
Rujukan halaman ini: تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 278 (SanadKitab #20855, hlm. urut 750)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.