السَّادِسَةُ- وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ عَنْ رُؤْيَةِ بَلَدٍ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْرُبَ أَوْ يَبْعُدَ، فَإِنْ قَرُبَ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَإِنْ بَعُدَ فَلِأَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ، رُوِيَ هَذَا عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ بَوَّبَ:" لِأَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ". وَقَالَ آخَرُونَ. إِذَا ثَبَتَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ قَدْ رَأَوْهُ فَعَلَيْهِمْ قَضَاءُ مَا أَفْطَرُوا، هَكَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَوْلَ الْمُزَنِيِّ وَالْكُوفِيِّ. قُلْتُ: ذَكَرَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ: وَأَجْمَعَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَامَ أَهْلُ بَلَدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِلرُّؤْيَةِ، وَأَهْلُ بَلَدٍ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَنَّ عَلَى الَّذِينَ صَامُوا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا قَضَاءُ يَوْمٍ. وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ، إِذْ كَانَتِ الْمَطَالِعُ فِي الْبُلْدَانِ يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ. وَحُجَّةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ" وَثَبَتَ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ أَنَّ الْعِدَّةَ ثَلَاثُونَ فَوَجَبَ عَلَى هَؤُلَاءِ إِكْمَالُهَا. وَمُخَالِفُهُمْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ﷺ: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ يُوجِبُ اعْتِبَارَ عَادَةِ كُلِّ قَوْمٍ فِي بَلَدِهِمْ. وَحَكَى أَبُو عُمَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الرُّؤْيَةُ فِيمَا بَعْدُ مِنَ الْبُلْدَانِ كَالْأَنْدَلُسِ مِنْ خُرَاسَانَ، قَالَ: وَلِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ، إِلَّا مَا كَانَ كَالْمِصْرِ الْكَبِيرِ وَمَا تَقَارَبَتْ أَقْطَارُهُ مِنْ بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ. فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَةُ تَصْرِيحٍ بِرَفْعِ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِأَمْرِهِ. فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الْبِلَادَ إِذَا تَبَاعَدَتْ كَتَبَاعُدِ الشَّامِ مِنْ الْحِجَازِ فَالْوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أَنْ تَعْمَلَ عَلَى رُؤْيَتِهِ دُونَ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ، وَإِنْ ثَبَتَ ذلك
Kitab: Tafsir al-Qurthubi · Pengarang: القرطبي
Baca Juz 2, halaman 295
Rujukan halaman ini: تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 295 (SanadKitab #20855, hlm. urut 767)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.