قلت: إذا علم أن لقاء الله عنيت به تلك الحال الممثلة، والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت، فكأنه قال: من كان يرجو لقاء الله؛ فإن لقاء الله لآت، لأن الأجل واقع فيه اللقاء، كما تقول: من كان يرجو لقاء الملك؛ فإن يوم الجمعة قريب، إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ)] ٦ [
(وَمَنْ جاهَدَ) نفسه في منعها ما تأمر به وحملها على ما تأباه (فَإِنَّما يُجاهِدُ) لها، لأن منفعة ذلك راجعة إليها، وإنما أمر الله ﷿ ونهى، رحمةً لعباده وهو الغنى عنهم وعن طاعتهم.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)] ٧ [
إما أن يريد قومًا مسلمين صالحين قد أساءوا في بعض أعمالهم، وسيئاتهم مغمورة بحسناتهم فهو يكفرها عنهم، أى: يسقط عقابها بثواب الحسنات، ويجزيهم أحسن الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرجاءُ؛ إيجازًا واختصارًا.
وأما ((إذا)) في قوله: ((إذا عَلِمَ أنَّ لقاءَ اللهِ عُنيتْ به))، فهي كـ ((إذا)) في قوله: ((إذا عُلِمَ أنَّه يَقْعُدُ))، فكما أنَّ جزاءَ المِثالِ ما دلَّ عليه بقوله: ((مَن كان يَرجو لقاءَ المَلِكِ)) كذلك يقدَّر له الجزاءُ. والفاءُ في ((كأنَّه)) جوابُ شرطٍ محذوفٍ؛ أي: إذا كان كذلك فكأنَّه قال.
قوله: (صالحين قد أَساؤوا في بعض أعمالِهم، وسيِّئاتُهم مَغْمُورةٌ بحَسناتِهم)، الانتصاف: هذا من تحجُّرِ رحمةِ الله الواسعةِ بناءً على مذهبِه في وَعِيد أصحابِ الكَبائِر، وقد سَبَق إبطالُه.
وقلت: قد مَرَّ أنَّ الآياتِ واردةٌ في حقِّ المؤمنينَ تَعْييرًا على اجتِراحِ السَّيِّئاتِ، وتَحريضًا على اكتساب الحَسَناتِ، وأعلَمَهمُ اللهُ أنّ نَفْعَ ذلك كلُّه عائدٌ إليهم، بقوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ