الخطبة الثانية:
الحمدُ لله ربّ العالمين، جعلنا خيرَ الأُمم وآخرَها، وبعث لنا خاتمَ الأنبياءِ وخيرةَ المرسلين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، الفضلُ منه وإليه وهو العليمُ الحكيمُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، كان فضلُ اللهِ عليه عظيمًا، وفضلُه على أُمّتِه عظيمٌ أيضًا، اللهم صلِّ وسلّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين.
إخوة الإيمان: وسيرةُ محمدٍ ﷺ لقيتْ من المسلمين عنايةً مبكّرةً، فكانت أحداثُها تُروى في جيل الصحابةِ لمن لم يشهدها، فابنُ عباس ﵄ كان يُحدِّث العشيةَ كلَّها في المغازي، وكان كما يقول مَن حضر مجلسَه يُخصِّصُ جزءًا من يومِه لتدريس المغازي (١)، إلى حدٍّ قال معه عليُّ بنُ الحسين بنِ عليٍّ ﵄: «كُنّا نُعلَّم مغازي النبيِّ ﷺ كما نُعلَّم السّورةَ من القرآنِ» ثم تطور الأمرُ - في جيل التابعين - فأمر الخليفةُ الراشدُ عمرُ بنُ عبد العزيز - عاصمَ بنَ عمرَ بنِ قَتادةَ أن يجلسَ في جامع دمشق فيحدّثَ الناسَ بمغازي رسولِ الله ﷺ ومناقبِ أصحابه .. كما روى ابنُ سعد في «طبقاته» (٢).
واستمرت العنايةُ بالسيرة وأحداثِها تعليمًا وتأليفًا، حتى تجاوزَ الاهتمامُ بها المسلمين إلى غيرِهم، وفرضتْ بكمال أخلاقِ صاحِبِها وشمولِ أحداثها، على أحدِ الكتّاب الغربيين (مايكل هارث) إذْ ألّف كتابًا بعنوان «المائةِ الأوائل» أن يبدأ كتابَه بالرسولِ ﷺ على أنه الرجلُ الأولُ والمؤثِّر في تاريخ الإنسانية كلِّها. ويقولُ لبني قومه: «إن اختياري (محمدًا) ليكون الأولَ في قائمة أهمِّ رجال