هذا التراجعُ المُذلُّ منَ المنافقينَ اختلافًا بينَ المؤمنينَ في التعاملِ مع المنافقينَ. فرقةٌ تقولُ: نقتلُهم، والأخرى تقولُ: لا نقتلُهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (١)، وحينَها قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إنها طيبةُ» وإنها تنفي الخبثَ كما تنفي النارُ خَبَثَ الفضةِ» (٢).
أما المنافقونَ فقدْ ظنوا باللهِ الظنونَ السيئةَ وكشفَ القرآنُ خبيئَتَهم فقالَ تعالى: ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ (٣)، وحينَ انكشفَتِ المعركةُ وأصيبَ منْ أصيبَ منَ المؤمنينَ تشفّى المنافقونَ وسُرُّوا لمصابِهم، واشتركوا معَ اليهودِ في المشاعرِ الفاسدةِ، قالَ ابنُ حجرٍ: «حينَ بكَى المسلمونَ على قتلاهُم سُرَّ المنافَقونَ، وَظَهرَ غشُّ اليهودِ، وفارت المدينةُ بالنفاقِ، فقالَت اليهودُ: لو كانَ نبيًا ما ظهروا عليهِ -يعني المشركينَ- وقالَ المنافقونَ: لو أطاعونا ما أصابَهم هذا؟ (٤).
بلْ جعلوا يقولونَ لأصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ: لو كانَ منْ قُتِلَ منكُمْ عندَنا ما قُتِلَ، وهم يهدفونَ إلى تفريقِ المؤمنينَ والتخذيلِ عن صحابة النبيِّ ﷺ، وأنَّى لهم ذلكَ معَ قومٍ قالوا لمَنْ قالَ لهُمْ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٥).