قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ، أي: ردوني إلى الدنيا ﴿لَعَلّي أعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلا﴾ ، ردع عن طلب الرجعة، واستبعاد لها ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ، لا محالة، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ ، أي: أمامهم، ﴿بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ
يبْعَثُونَ﴾ ، ﴿فَإذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل للبعث ﴿فَلا أنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ ، أي لا تنفع، ﴿يَومَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ﴾ ، أي: لا يسأل قريب قريبه، بل يفرح أن يجب له حق ولو على ولده.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ، أي: موازين أعماله، ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والدرجات، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأولئِكَ الَّذِينَ خَسرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وَجَوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ أي: عابسون، وهم الكفار، ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ . وأما المسلمون فمن خفت موازين حسناته فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ومصيره بعد ذلك إلى الجنة.
﴿قَالُوا﴾ ، أي الكفار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً﴾ ، نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بِصَدَدِهِ من العذاب، وقيل: المراد السؤال عن مدة لبثهم في القبور؛ لأنهم أنكروا البعث.
فقيل لهم لما قاموا من القبور: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ ، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْئَلِ العَادِّينَ﴾ ، أي: الحاسبين، وهم الملائكة، ﴿قَالَ إنْ
لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلاً﴾ ، أي: ما لبثتم فيها إلا زمانًا قليلاً، ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم تَعْلَمُونَ﴾ ، أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ ، لعبًا وباطلاً. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ، أي: في الآخرة للجزاء، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ ، أي: تقدس، أن يخلق شيئًا عبثًا لا لحكمة، فإنه الملك الحق المنزَّه عن ذلك ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ ... الْكَرِيمِ﴾ .