باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٣٩٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إيَّاكُمْ، وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدِ ضَعِيفٍ وَصَحَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ)، وَسَبَبُهُ أَنَّ لُقْمَانَ دَخَلَ عَلَى دَاوُد ﵇، فَرَآهُ يَسْرُدُ دِرْعًا لَمْ يَكُنْ رَآهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ مِمَّا رَأَى فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَمَنَعَتْهُ حِكْمَتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَتَرَكَ وَلَمْ يَسْأَلْهُ فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ دَاوُد وَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: نِعْمَ الدِّرْعُ لِلْحَرْبِ فَقَالَ لُقْمَانُ الصَّمْتُ حِكْمَةٌ - الْحَدِيثَ وَقِيلَ تَرَدَّدَ إلَيْهِ سَنَةً، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْأَلْهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ الصَّمْتِ وَمَدْحِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَنْ فُضُولِ الْكَلَامِ (وَقَدْ) وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ دَالَّةٌ عَلَى مَدْحِ الصَّمْتِ وَمَدَحَهُ الْعُقَلَاءُ وَالشُّعَرَاءُ. وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ صَمَتَ نَجَا» «وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا النَّجَاةُ، قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْك لِسَانَك» الْحَدِيثَ وَقَالَ ﷺ: «مَنْ تَكَفَّلَ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ أَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ» «وَقَالَ مُعَاذٌ ﵁ لَهُ ﷺ: أَنُؤَاخَذُ بِمَا نَقُولُ قَالَ ثَكِلَتْك أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسُ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدَ أَلْسِنَتِهِمْ» وَقَالَ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت» الْأَحَادِيثُ فِيهِ وَاسِعَةٌ جِدًّا، وَالْآثَارُ عَنْ السَّلَفِ كَذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ فُضُولَ الْكَلَامِ لَا تَنْحَصِرُ، بَلْ الْمُهِمُّ مَحْصُورٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وَآفَاتُهُ لَا تَنْحَصِرُ فَعَدَّ مِنْهَا الْخَوْضَ فِي الْبَاطِلِ، وَهُوَ الْحِكَايَةُ لِلْمَعَاصِي مِنْ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ وَمَجَالِسِ الْخَمْرِ وَمَوَاقِفِ الْفَسَادِ وَتَنَعُّمِ الْأَغْنِيَاءِ وَتَجَبُّرِ الْمُلُوكِ وَمَوَاسِمِهِمْ الْمَذْمُومَةِ وَأَحْوَالِهِمْ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحِلُّ الْخَوْضُ فِيهِ، فَهَذَا حَرَامٌ.
وَمِنْهَا الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَكَفَى بِهَا هَلَاكًا فِي الدِّينِ وَمِنْهَا الْمِرَاءُ، وَالْمُجَادَلَةُ، وَالْمُزَاحُ. وَمِنْهَا الْخُصُومَةُ وَالسَّبُّ، وَالْفُحْشُ وَبَذَاءَةُ اللِّسَانِ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالنَّاسِ وَالسُّخْرِيَةُ، وَالْكَذِبُ، وَقَدْ عَدَّ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ عِشْرِينَ آفَةً وَذَكَرَ فِي كُلِّ آفَةٍ كَلَامًا بَسِيطًا حَسَنًا، وَذَكَرَ عِلَاجَ هَذِهِ الْآفَاتِ.